كتاب ... وقرار

الفصل الخامس: الكتاب المقدس صادق في نبواته

 
 

أولاً - مقدمة 

               1 - تعريف بالنبوة 

               2 - فحوص النبوة الصادقة 

               3 - الاعتراض على النبوات 

                    ثانياً - نبوات تحققت عن: 

               1 - صور 

               2 - صيدون 

               3 - السامرة 

               4 - غزة وأشقلون 

               5 - موآب وعمون 

               6 - البتراء وآدوم 

               7 - طيبة وممفيس 

               8 - نينوى 

               9 - بابل 

               10 - كورزين وبيت صيدا وكفر ناحوم 

               11 - اتساع أورشليم 

               12 - فلسطين 

                    ثالثاً - الاحتمالات النبوية   

                الإحتمالات النبوية          

 

         نهدف في هذا الفصل إلى ذكر نبوّات جغرافية وتاريخية تحققت، مما يُظهر صحَّة نبوَّة قائلها، بالرغم من أن تحقيقها كان مستحيلاً.

        ومن النادر أن يجد الباحث فرصة لمثل هذه الدراسة الممتعة، ولكن عند الدرس والبحث نرى أن يد اللّه كانت على كتف أولئك الأنبياء عندما أعلنوا رسالة اللّه لسامعيهم. فالنبوات تُظهر أن اللّه كليّ العلم وكليّ القدرة، كما أنها برهان على وحي الكتب المقدسة.

        ولقد قسّمنا النبوّات التي نقدمها إلى اثني عشر قسماً، في كل قسم منها نبوة خاصة ببلد أو أمة. غير أننا قدّمنا لهذا الفصل بمقدمة عامة تساعد على متابعة البحث.

        وهاك ملخصاً يساعد على متابعة ما جاء في هذا الفصل :

أولاً - مــقــدمــــة :

1- تعريف بالنبوَّة :

        قدّمت دائرة المعارف البريطانية التعريف الآتي: "السجلات المدوَّنة للنبوَّة العبرية في سفر إشعياء توضّح أن معنى النبوة الأساسي هو الكلمة أو الرسالة الشفوية التي يعلن فيها رسول خاص من اللّه إرادة اللّه. أما العنصر النبوي في التهديد أو المواعيد فهو مشروط باستجابة السامعين (18:1-20)، أو آية  تحدُث في المستقبل (14:7) لأن كل ما يحدث يتمم مقاصد إرادة اللّه". ثم تمضي   دائرة المعارف ذاتها لتقول: "ويضع إشعياء أهمية خاصة على إبراز أوجه الفرق بين آلهة بابل وبين يهوه، في أن يهوه ينفّذ ما سبق أن أنبأ به (3:48). فنبوات الأنبياء هي إعلان لمقاصد اللّه الحي، أكثر منها لمصير الإنسان" (37).

        أما التعريف الكتابي للنبي فهو أنه الشخص الذي يعلن إرادة اللّه، والمستقبل، للشعب، كما يرشده الوحي الإلهي. وعلاوة على أنه ينادي بالقضاء على الخطأ، والدفاع عن الحق والبر، والشهادة لسمو الأخلاق على الطقوس الشكلية، فإن النبوّة وثيقة الارتباط بمقاصد نعمة اللّه من نحو شعبـه (ميخـا 4:5،20:7، إشعياء 3:60، 25:65).

        ويهدف النبي إلى جوار إعلان الآتيات، أن يعلن صفات اللّه وما يعمله، حسب مسرة مشيئته. وباختصار هو يعرِّف الناس باللّه وبإرادته وعمله.

        ولكل نبي أسلوبه الخاص في الإعلان.. ومع أن الطابع الشخصي لكل واحدٍ منهم باقٍ، إلا أن ما يعلنونه هو الحق الواحد، بفضل سيطرة الروح القدس الكاملة!

        ويظن البعض أن كل ما يفعله النبي هو الإخبار بالمستقبل، وهذا حق. ولكن كانت رسالة النبي تشمل الإصلاح الاجتماعي والسياسي، عن طريق الكرازة بالبرّ والنهضة الروحية، مع إعلان القصاص للمخطئ والجزاء للمحسن. وقد تكلّم الأنبياء بطريقة روحية تعكس إرادة اللّه وتطالب بالطاعة له.

        ولـم تكن إعلانات الأنبياء للإثارة، لكنهم أعلنوها بسبب الأحوال التي كانت تحيط بهم (قارن تثنية 22:18). وفي كل أصحاح ينبئ بالخراب نجد السبب الذي جاء بهذا الخراب.

        وترجع النبوة الأولى في الكتاب إلى عصر آدم وحواء، عندما جاء الوعد بالفداء في التكوين (15:3 و16). وكان أخنوخ وإبراهيم وموسى من الأنبياء الأولين (العدد 6:12-8، التثنية 18:18،         يوحنا 14:6، 40:7).

        والنبوة مصدرها اللّه (1 صموئيل 9:9، 2 صموئيل 11:24).

        ويوضح الكتاب أن التنبُّؤ بالمستقبل علامة على قوة اللّه ومجده، وبرهان على سموّ كلامه، كما أنه استجابة اللّه لصلوات البشر واحتياجاتهم، لأنه لمّا كان اللّه يعلن المستقبل (العمل الذي يعجز البشر عن عمله)، ولمّا كان يرى المستقبل قبل وقوعه، فإن كل مؤمن يجب أن يطمئن لأنه لا يحدث شيء لـم يعيّنه اللّه! (38).

2- فحوص النبوة الصادقة :

        حدثت في التاريخ الكتابي منازعات حول "مَن هو النبي الصادق؟"  (الملوك الأول 18:13-22، أصحاح 22، إرميا 28). وكان حل النزاع عملياً أكثر منه أكاديمياً، فإن هناك صفات تظهر النبي الكاذب من الصادق.

        ومن صفات النبي الكاذب "النشوة الصوفية النبوية" وهي حالة تظهر بدون إنذار سابق وفي حالات خاصة، خصوصا بعد سماع نوع خاص من الموسيقى. وقد ظهر مع مثل هذه الحالات خروج عن الشعور، مع ضياع الإحساس. ولكن ليست هذه الصفة فصلاً في الحكم على النبي الكاذب، رغم أنها ظهرت على أنبياء البعل الكنعانيين.. فإن النبي إشعياء (في رؤياه في الهيكل) وحزقيال النبي اختبرا ما نسميه "نشوة صوفية".

        وهناك صفة أخرى للنبي الكاذب، أنه عادة مأجور من الملك "ليتنبأ" بما يريده الملك. لكن هذه الصفة أيضاً ليست فصلاً في الحكم على النبي الكاذب، فإن الأنبياء صموئيل وناثان وحتى عاموس، كانوا يُعتبرون لحدٍّ ما أنبياء رسميين للدولة، ولكنهم كانوا أنبياء صادقين.

        ولكن العهد القديم يقدّم لنا ثلاث فقرات كتابية هي التثنية 13، 18، إرميا 23، وحزقيال 21:12 إلى 11:14، تصف النبي الكاذب.

        أما التثنية 18 فيقول إن النبوة التي لا تتحقق، هي كاذبة. ولكن هذه الصفة سلبية، فليس كل نبوة تتحقق هي من اللّه، فإن النبي الكاذب عندما يقول شيئاً يتحقق يكون هذا امتحاناً للشعب. أما التثنية 13 فيقول إن النبي الذي ينادي بآلهة أخرى خلاف اللّه فهو ليس من اللّه (يهوه). وكل نبي يتنبأ بنبوة تتحقق، ولكن تعليمه يخالف تعاليم موسى يكون كاذباً!

        أما ما جاء في ارميا 23 فهو توسّع في الحديـث الذي جـاء في التثنية 13، عندما يقول إرميا إن النبي الكاذب هو رجل فاسق (آيات 10 - 14) يقود الآخرين للشر (آية 17). وهو ينادي بسلام مزيَّف غير إلهي. والنبي الحقيقي يجيء برسالة توبيخ تسبب التوبة (آية 29) ويدعو الناس للتوبة والطاعة         (آية 22).

        ويُخطئ بعض الناس في انتقاد الأنبياء لأن رسالتهم كلها إعلان للخراب، لكن إعلان الخراب لـم يكن كل شيء قالوه! صحيح أنهم لـم ينادوا أولاً بالسلام الحقيقي، لأن سلام اللّه يجيء نتيجة للقداسة والبر والتوبة. ويقول إرميا النبي إن النبي الكاذب يسرق اسم اللّه لكي يمجّد نفسه (آيات 30 - 32) ولكن النبي الصادق هو الذي أرسله يهوه، وهو الذي يتكلم باسم يهوه وبسلطانه.

        أما حزقيال فيقول (21:12 - 11:14) إن الأنبياء الكذبة جاءوا من تلقاء ذواتهم وينادون بنبوَّات من عندهم (2:13 و3) ويعطون الناس تأكيدات كاذبة (4:13-7). والسلام الذي يعلنونه سلام كاذب (10:13-16) لا يبنون حياة الناس الروحية (22:13). أما النبي الصادق فيدعو الناس إلى فحص نفوسهم ليروا مطالب اللّه منهم (4:14-8). وهو الذي يعلِن بأسلوب جديد الحقائق الإلهية التي لا تتبدل ولا تتغيَّر.

3- الاعتراض على النبوات :

        الاعتراف الأساسي هو القول بأن تسجيل النبوة وكتابتها حدث بعد وقوعها وليس قبلها. ولذلك فإننا نقدم هنا تواريخ نبوّة الأنبياء كما قدّمها "مرل أنجر" في قاموسه، وقد استمدَّ حكمه من واقع ما جاء في النبوات نفسها، خصوصاً عندما يسجِّل النبي نبوّته. يوئيل وعوبديا وحدهما لا يحددان تاريخاً لنبوتيهما.

        حزقيال           تنبأ من 592 - 570 ق م

        إشعياء            783 - 738 (القسم الأول)

                          735 - 719 (القسم الثاني)

                           719 - 704 (القسم الثالث)

        ارميا              626 إلى ما بعد 586 ق م

        عاموس           الربع الثاني من القرن الثامن ق م

        هوشع            748 - 690 ق م

        ميخا              نحو 738 - 690 ق م

        عوبديا            قبل 300 ق م

        ناحوم             بعد 661 إلى ما قبل 612 ق م

        صفنيا             بين 640 - 621 ق م

        اللاويين           (موسى) 1520 - 1400 ق م

        يوئيل             قبل 300 ق م

        دانيال             605 - 538 ق م

        متى               50 م

        وقد تمت ترجمة كل نبوات العهد القديم إلى اللغة اليونانية حوالي عام 280 ق.م. (الترجمة المعروفة بالسبعينية). وعلى هذا فإن كل النبوات، بما فيها يوئيل وعوبديا، قد كُتبت قبل هذا التاريخ.

        ونود أن نورد بعض الحقائق عن نبوة حزقيال، حيث أننا سنقتبس منها كثيراً في هذا الفصل. وتعود كتابة السفر إلى سنة 570 ق.م. ولنبدأ بإيراد ما قالته دائرة المعارف البريطانية عنه :

        "توجد أفكار متنوعة عن وحدة سِفْر حزقيال وتاريخ كتابته. ولكن السِّفْر يوضّح أن خدمة النبي امتدت من 592 إلى 570 ق.م.، ولكن واحداً من العلماء (جيمس سميث) يقول إنه تنبأ في القرن السابع ق.م. في أيام الملك منسّا. وآخر (ميسيل) يقول إنه تنبأ بعد زمن نحميا حوالي عام 400 ق.م. لكن معظم العلماء يقبلون التاريخ الأول. وقد وُجدت نُسَخ من السفر في مخطوطات البحر الميت بوادي قمران.

        وتتضح الوحدة الأدبية للسفر من تكرار عبارة "فيعرفون أني أنا الرب" أكثر من خمسين مرة، وعبارة "حيّ أنا يقول السيد الرب" 13 مرة، وعبارة "سبوتي" 12 مرة، "يسلكون في شرائعي" 11 مرة... الخ (39).

        ولقد حدث هجوم شديد على صحة نبوة حزقيال التاريخية بسبب قوله إن اللّه كلّمه في "السنة الخامسة من سَبْي يوياكين الملك". ولكن الحفريات الحديثة جاءت في صف هذا التاريخ. فقد وُجدت ثلاث جرار مكتوب عليها "الياقيم وكيل يوياكين".. مما يدل على أن ألياقيم كان وكيلاً لممتلكات يوياكين أثناء وجود يوياكين في السبي، ومن الواضح أن الشعب كان يعتَبِر أن يوياكين هو ملك يهوذا، وأن صدقيا كان يملك كقائمقام يوياكين إبن أخيه. ومن هذا نرى أن كلمات حزقيال في تاريخ سفره صحيحة ومناسبة للفكر اليهودي في وقته، الذي اعتبر يوياكين ملكاً، رغم أنه كان في منفاه (40). ونخلص من هذا أن قوله "السنة الخامسة من سبي يوياكين الملك" برهان على صحة السفر التاريخية، وليست (كما قال النقّاد) هجوماً ضدها.

        ويرى دارسو الأدب القديم أن سفر حزقيال وحدة أدبية، تتضح من وحدة أسلوب كاتبه، ووحدة خطه الفكري، فإن الكاتب يكتب بضمير المتكلم، وهو يعطي زمن كثير من نبواته ومكان حدوثها، مما يبرهن أن السفر كله من نتاج قلم كاتب واحد. وهذا يجعلنا نقول إن حزقيال هو الكاتب (41).

        وقد قال بيتر ستونر في كتابه "العلم يتكلم" إن النبوات التي جاءت في الكتاب عن البلاد المختلفة مثل صور وصيدون والسامرة وغزة وأشقلون وغيرها، لا يمكن أن تكون قد كُتبت بعد حدوثها، فإن الفترة الزمنية التي مضت بين الكتابة والتحقيق كبيرة. لقد قيل إن ما جاء في النبوات هو تاريخ عن أشياء حدثت، وليس نبوة بأشياء ستحدث، ولكن هذه النبوات جاءت قبل ميلاد المسيح، لأنها في العهد القديم. وقد تحققت نبوة كاملة منها، وأجزاء فقط من اثنتين منها قبل ميلاد المسيح، ولكن الباقي كلّه تحقق بعد الميلاد. وحتى لو أسقطنا ما تحقق قبل الميلاد، فإن العدد الذي تحقق بعد الميلاد كثير جداً (42).

        وقد راجَعَتْ كتاب ستونر لجنة من كبار علماء "الجمعية العلمية الأمريكية" وكتب أحدهم مقدمته، فقال إن المعلومات الواردة به صحيحة علمياً، وإن الحسابات الواردة فيه قد أُجريت طبقاً للنظريات العلمية الصحيحة (42).

        ولو أننا طرحنا النبوات التي فيها شك من جهة تاريخها، وجعلنا الشك في جانب رفضها، لبقي الكثير المُذهِل بعد ذلك!

        والحقيقة إن الذين يشكّون في صدق النبوات يفعلون ذلك لأنهم لا يؤمنون بوجود اللّه، ولذلك فالمعجزات عندهم مستحيلة، ومن ثَم لا توجد نبوات عن المستقبل، ولذلك فإنهم عندما يقرأون أقوال النبي ويرون أنها قد تحققت في زمن بعد النبي بكثير، فإنهم يزعمون أن النبوة قيلت بعد وقوع الحادث، وليس لأنهم درسوا الحفريات والاكتشافات الأركيولوجية الحديثة التي تقدّم أدلّة دامغة على صدق هذه النبوات.

ثـانـيـاً - نـبـوَّات تـحـقـقـت

        سنقدم هنا نبوات جاءت في الكتاب المقدس، مع تعليقات عن تاريخية كل نبوة منها، حتى تتضح لنا دقة تلك النبوات. وعندما ندرسها نبوة بعد نبوة، ونراها كلها تتحقق بصورة مذهلة، سينزاح الشك الذي قد يكون خامرنا، وينقشع.

        ويقول أحد علماء الحفريات: "هناك مشاكل في التوفيق بين الحفريات والتاريخ الكتابي، لكنها ليست خطيرة. وأعتقد أنها ستنجلي بعد الاكتشافات الجارية. ولكن الاتفاقات بين اكتشافات علم الآثار والكتاب المقدس كثيرة جداً، ولا يوجد اكتشاف منها يجعلنا نشك في صحة التاريخ الكتابي" (43).

        وقد أطلِقت أعيرة نارية كثيرة ضد الكتاب المقدس، وهنا نطلق إثنتي عشرة قذيفة في صف الكتاب، عبارة عن اثنتي عشرة نبوة كتابية تحققت. وهي قذائف عالية، طويلة المدى، يصعب إسكاتها!

1- صُــــور

        من أغرب النبوات الكتابية التي تحققت تلك التي وردت عن مدينة صور. وتستعمِل كل كتب الدفاع عن المسيحية هذه النبوة، ولها الحق في ذلك.

وهاك كلمات النبي حزقيال 26:    (592 - 570 ق.م.).

3      لذلك هكذا قال السيد الرب: "هأنذا عليكِ يا صور، فأُصعِدُ عليكِ أمما كثيرة، كما يُعلّي البحرُ أمواجه".

4      "فيخربون أسوار صور، ويهدمون أبراجها، وأَسْحِي تُرابَها عنها، وأصيِّرها ضِحَّ الصَّخْرِ".

5      "فتصير مَبْسطاً للشِّباك في البحر، لأني أنا تكلَّمتُ، يقول السيد الرب".

7      لأنه هكذا قال السيد الرب: "هأنذا أجلب على صور نبوخذ نصّر ملك بابل من الشمال، ملك الملوك، بخيل وبمركبات وبفرسان، وجماعة وشعب كثير".

8      "فيقتل بناتك في الحقل بالسيف، ويبني عليك معاقل، ويبني عليكِ برجاً، ويقيم عليك مترسة، ويرفع عليك ترساً".

12    "وينهبون ثروتك، ويغنمون تجارتك، ويهدُّون أسوارك، ويهدمون بيوتك البهيجة، ويضعون حجارتك وخشبك وترابك في وسط المياه".

14    "وأصيِّرك كضِحَّ الصخر فتكونين مَبْسَطاً للشِّباك. لا تُبْنَيْن بعد، لأني أنا الرب تكلمتُ" يقول السيد الرب.

21    "أصيِّرك أهوالاً ولا تكونين، وتُطلَبين فلا تُوجَدين بعْدُ إلى الأبد" يقول السيد الرب.

        في هذه النبوة نرى الحقائق الآتية عن مدينة صور:

        1- يخرب الملك نبوخذ نصر، ملك بابل، مدينة صور (آيتا 7،8).

        2- تقوم دول كثيرة على صور (آية 3).

        3- تصير صور صخرة عارية (ضِحّ الصخر) (آية 4).

        4- يبسط الصيادون شباكهم لتجفّ، على موقعها (آيتا 5،14).

        5- يُلقون أنقاضها في الماء (آية 12).

        6- لن تُبنى صور أبداً (آية 14).

        7- لا تُوجد صور بعد إلى الأبد (آية 21).

        والنبوة كما نراها واضحة، وقد تبدو متناقضة، ولكن التاريخ لا تناقض فيه، فلندرس تاريخ صور لنرى كيف تحققت النبوة.

تحقيق النبوة :

        1- توضح نبوة حزقيال (خصوصاً 27:27) أهمية مدينة صور وتجارتها وثروتها. وقد حاصر نبوخذ نصر ملك بابل صور، بعد نبوة حزقيال بثلاث سنوات. وتقول دائرة المعارف البريطانية أنه بعد حصار دام 13 سنة (585 - 573 ق.م.) استسلمت صور للملك نبوخذ نصر الثاني وقبلت شروطه. وفي سنة 538 ق.م. كانت صور وكل فينيقية قد أصبحت تحت السيادة الفارسية (37).

        وعندما اقتحم نبوخذ نصر أبواب صور، وجد المدينة خالية تقريبا، فقد هجرها سكانها بالسفن إلى جزيرة تبعد نصف ميل عن الشاطئ وحصنوا مدينة هناك. وأُخربت صور سنة 573. ولكن المدينة الجديدة في الجزيرة بقيت قوية وعمّرت عدة قرون - (وهكذا تحققت نبوة حزقيال 8:26).

        2- بعد ذلك جاء الاسكندر الأكبر. وتقول دائرة المعارف البريطانية إن الاسكندر الأكبر في حربه ضد فارس، بعد أن هزم داريوس الثالث في موقعة أسوس (333 ق.م.) اتجه جنوباً نحو مصر، داعياً المدن الفينيقية لتفتح له أبوابها حتى لا تستخدم سفن الجيش الفارسي موانيها. ولكن أهل صور رفضوا طلبه، فحاصر الاسكندر مدينتهم. ولما لـم تكن لديه سفن فقد أخرب المدينة الأصلية وألقى بأنقاضها في الماء، جاعلاً منها طريقاً عرضه 60 متراً، وصل به إلى المدينة الجديدة في الجزيرة، وبنى قلاعاً وآلات حرب (37).

        (وهكذا تحققت نبوة حزقيال 12:26).

        أخذ نبوخذ نصر المدينة الأصلية وترك المدينة الجديدة، ولكن الاسكندر أخذ الاثنتين، رغم صعوبة أخذ الثانية المحاطة بالمياه وبالأسوار الحصينة. ومع أن الأسطول الفارسي كان يحميها، إلا أن الاسكندر صنع طريقاً في البحر من أنقاض صور. ولـم يكن هذا الهجوم سهلاً، فقد كان الصوريون يهاجمون العمال الذين يرمون الأنقاض في البحر. فبنى اليونانيون بُرجَين عاليين لحماية العمال. وكان اليونانيون كلما تقدموا في العمل وجدوا البحر يزيد عُمقاً. وأحرق الصوريون الأبراج التي بناها اليونانيون، وعطلوا تقدُّم الغزاة، وعزلوا جزءاً من الجيش عن البقية، وكانت الخسائر جسيمة جداً. ورأى الاسكندر شدة حاجته إلى السفن، فجعل أهل البلاد التي هزمها يساعدونه في صناعة سفن الحرب، فقدَّمَتْ له صيدا وأرفاد وبيبلوس نحو 80 سفينة، وعشراً من رودس، وثلاثاً من سولي ومالوس، وعشراً من ليكية، وواحدة كبيرة من مكدونية، و120 من قبرص (وهكذا تحققت نبوة حزقيال 3:26).

        وعندما حصل الاسكندر على السفن، وتقدَّم بناء الطريق في البحر، عرف أن انتصاره على صور أكيد. وقد كان!

        ولا تزال الطريق التي صنعها الاسكندر موجودة، تربط الجزيرة بالأرض. وبعد حصار دام سبعة شهور سقطت صور، وقتل ثـمانية آلاف من سكانها وبيع ثلاثون ألفاً في سوق العبيد (44). وكان الاسكندر قد تكلّف الكثير في غزو صور، وملأه الحقد على أهلها، فتصرف بكل قسوة لينتقم منهم، فأخرب المدينة تماما عام 332 ق.م: "وقد قامت صور الجديدة من عثارها بعد ذلك، لكنها لـم ترجع أبداً إلى مكانتها في العالـم. والجزء الأكبر من موقع المدينة اليوم صخرة عارية يجفّف عليها الصيادون شباكهم" (44) - (وهكذا تحققت نبوة حزقيال 5:26 و14).

        ولـم يتوقف تاريخ صور بعد الاسكندر، فقد بُنيت وهُدمت عدة مرات ولكنها أُخربت بعد 16 قرناً ولـم تُبْنَ بعد ذلك أبداً!

        3- وبعد ذلك جاء أنتيجونس بعد أن انتصر على بابل، واستولى على المدن الفينيقية، ولكنه قُوبل بمقاومة شديدة من صور. وكانت قد مضت ثـماني عشرة سنة على استيلاء الاسكندر عليها. وحاصر أنتيجونس صور 15 شهراً فسقطت وأخربها. ويرجع تاريخ أنتيجونس إلى سنة 314 ق.م.

        4- وجاءت كارثة أخرى على صور في عهد بطليموس فيلادلفوس (285 ـ 247 ق.م.) الذي بنى ميناء برنيس على البحر الأحمر، وربط مجرى النيل بخليج السويس، فتحوَّل مجرى التجارة إليه، بعد أن كان يمرّ بخليج العقبة إلى ميناء إيلات، ومنها إلى البتراء، ومن ثَمَّ إلى مواني البحر الأبيض المتوسط لتحمله سفن صور. وكانت هذه ضربة قاسية على تجارة صور، إذ خسرت تجارتها لتربحها الإسكندرية.

        5- ولكن المدينة استردت بعض غناها. ويصف زائر للمدينة سنة 1047م حالتها فيقول: "لقد بنوا جزءاً صغيراً من المدينة لا يزيد عن 100  ياردة فقط على صخرة في البحر، أمّا معظم المدينة فيقع فوق المياه. أما الحيطان فمبنية من الحجارة المنحوتة، تغطي الفواصل بينها بالبيتومين ليعزل الماء. وترتفع البيوت إلى خمسة أو ستة طوابق. وهناك نافورات للمياه، والأسواق نظيفة، وعلامات الغِنَى في كل مكان. وهي مدينة مشهورة بثروتها بين كل الموانئ الفينيقيّة. وقد أقاموا "المشهد" عند مدخل المدينة حيث الطنافس الثمينة والثريـات الذهبية والفضية. وهم يجلبون الماء اللازم لهم من الجبل" (45).

        6- وقد استولى المسلمون على المدينة، وحاربهم الصليبيون وأخذوها، ولكن المسلمين استعادوها. ويقول أحد المؤرخين: "بعد أخذ بتولمايس وإخرابها، أرسل السلطان أحد الأمراء مع فرقة من جيشه لأخذ صور، فملأ الرعب قلوب أهلها ففتحوا الأبواب بدون أي مقاومة، فذُبح بعض سكانها وبيع الآخرون عبيداً. وهُدمت المعابد والأسواق، وأُبيد كل شيء بالسيف أو بالحريق" (46).

        وقد عاد المسلمون واستولوا على المدينة عام 1291 وأخربوها تماماً. وقد زار ابن بطوطة خرائب المدينة سنة 1355، وكتب ما ترجمته (عن الانكليزية): "كانت المدينة قبلاً مضرب الأمثال في قوّتها، تغسلها مياه البحر من