كتاب ... وقرار

الفصل الرابع: الكتاب الذي يُعتمد عليه

 
 

الكتاب المقدس ببليوغرافياً 

                    العهد الجديد :               

               1 - شهادة علماء الببليوغرافيا للعهد الجديد 

               2 - شهادة المخطوطات للعهد الجديد 

               3 - الترتيب التاريخي لمخطوطات العهد الجديد 

               4 - ترجمات العهد الجديد 

               5 - آباء الكنيسة الأولون يشهدون للعهد الجديد 

               6 - شاهد على صحة المخطوطات من القراءات الكنسية 

                    العهد القديم :                 

               1 - الاهتمام الزائد بنقل المخطوطات 

               2 - أشخاص متخصصون لنقل المخطوطات 

               3 - مخطوطات قديمة للعهد القديم 

               4 - ترجمات العهد القديم 

               5 - اقتباسات من العهد القديم 

                    براهين داخلية على صحة الكتاب المقدس 

               1 - الشك في جانب المخطوطة 

               2 - المراجع أساسية وقيّمة

               3 - المراجع قديمة وأصلية 

                    براهين خارجية على صحة الكتاب المقدس 

                    براهين من علم الحفريات والآثار                                 

               1 - نماذج من حفريات تبرهن صحة العهد القديم 

               2 - نماذج من حفريات تبرهن صحة العهد الجديد   

        إن ما نريد أن نصل إليه في هذه الدراسة هو أن الكتاب المقدس صحيح تاريخياً، دون تعرُّض لوحيه. وكما نفحص صدق أية وثيقة تاريخياً، سنفعل الشيء نفسه مع الكتاب المقدس. وهناك ثلاثة فحوص :

        من الناحية الببليوغرافية (ثَبْت المرجع).

        من ناحية البرهان الداخلي.

        من ناحية البرهان الخارجي.

        ثم سندرس شهادة علم الآثار القديمة للكتاب المقدس.

أولاً: صحة الكتاب المقدس ببليوغرافياً (من جهة ثَبْت المراجع).

        الفحص الببليوغرافي هو فحص لانتقال المخطوطات حتى تصل إلينا. فلما لـم تكن عندنا النسخة الأصلية، فإننا نفحص عن صحة ما وصلنا من مخطوطات، وعددها، والفترة الزمنية التي مرَّت بين النسخة الأصلية وأقْدَمْ مخطوطة منها عندنا.

العهد الجديد

1 - شهادة علماء الببليوغرافيا للعهد الجديد

        شهد كثير من العلماء لصحة العهد الجديد من هذه الناحية - قال عزرا أبوت في كتابه "مقالات انتقادية" عن القراءات المختلفة للعهد الجديد : عدد القراءات المختلفة في العهد الجديد يخيف بعض البسطاء، إذ يقرأون عنها في كتابات النقّاد غير المؤمنين الذين يقولون إن هذه تبلغ 150 ألفاً ! وكأن أساس تصديق العهد الجديد قد انهار !

        "ولكن الحقيقة هي أن 95% من هذه القراءات المختلفة تُعوزها الأدلة، وضعيفة، ولا تستحق القبول. وهذا يترك لنا 7500 قراءة مختلفة، 95% منها لا تؤثر على المعنى، لأنها إملائية "في التهجئة" أو نحوية، أو في ترتيب الكلمات. وهذا يترك لنا نحو 400 "قراءة مختلفة" قد تؤثر على المعنى تأثيراً طفيفاً، أو تتضمن إضافة كلمة أو كلمات أو حذفها. والقليل جداً منها يمكن أن يعتبر هاماً. ولكن بحوث العلماء دلّتنا على القراءة الصحيحة محل الثقة. وكل الكتابات القديمة تحتوي على مثل هذه الاختلافات، تماماً كما أن هناك اختلافات في التفسير" (8).

        ويقول فيليب شاف في مقارنته بين العهد الجديد باليونانية وبين الترجمة الإنكليزية إن 400 قراءة فقط من 150 ألفاً تشكّل الشكّ في المعنى، منها خمسون فقط لها أهمية عظيمة. ولكن ليس منها قراءة واحدة تؤثر على العقيدة أو على واجبات المسيحي، إذ يوجد ما يماثلها في أماكن أخرى من القراءات الواضحة والأكيدة (12).

        ومن هذا نرى أن "القراءات المختلفة" لا تشكّل أهمية من جهة المعنى العام للفقرات التي وردت بها.

        ويقول "جيسلر ونيكس": "إن هناك غموضاً في قولنا إن هناك "قراءات مختلفة" - فمثلاً لو أن كلمة واحدة أُسيءَ إملاؤها في ثلاثة آلاف مخطوطة، فإنه يقال إن هناك ثلاثة آلاف "قراءة مختلفة" في العهد الجديد ! ثم يقولان: "إن واحداً من ثـمانية من هذه الاختلافات قد يكون له قيمته، لكن البقية هي اختلافات في الهجاء أو ما شابهه. وجزء من ستين من هذه الاختلافات يمكن أن يُعتبر "فوق التافهة". وهذا يعني من وجهة النظر الحسابية أن النص الموجود عندنا مضبوط بنسبة 33،98%" (2).

        وهكذا يمكننا أن نقول إن نص العهد الجديد الذي وصلنا مضبوط تماماً. لـم يُفقد منه أو يتغير فيه شيء من قوانين الإيمان أو السلوك. ويقول بروس في كتابه "الكتب والرقوق": "القراءات المختلفة في العهد الجديد لا تحتاج إلى تخمين لضبطها، فهناك شاهد واحد على الأقل بين آلاف الشواهد المضبوطة يحتفظ بها بالقراءة الصحيحة" (3).

        وقال فريدريك كنيون أحد ثِقات "نقد العهد الجديد": "إننا نؤكد بكل يقين أنه لا توجد عقيدة مسيحية مبنية على قراءة موضع اختلاف". وقال: "إن نصوص الكتاب المقدس أكيدة في مادتها، وهذا ينطبق بصورة خاصة على العهد الجديد، فإن عدد مخطوطات العهد الجديد المتوفرة لدينا، والترجمات القديمة له، والاقتباسات المأخوذة منه في كتابات الأقدمين كثيرة بالدرجة التي تؤكد لنا صحة النص، وإن القراءة الأصلية لكل جزء من هذه الأجزاء موضع الاختلاف، موجودة في هذه المراجع القديمة، وهو ما لـم يحدث مع أي كتاب قديم في العالـم".

        والعلماء مستريحون على أنهم يمتلكون اليوم النص الصحيح لكتابات المؤلفين اليونانيين والرومانيين من أمثال سوفوكليس وشيشرون وفرجيل مع أن معرفتنا بهذه الكتابات تعتمد على عدد قليل من المخطوطات، بينما مخطوطات العهد الجديد تُحصى بالألوف (13).

        إن مقارنتنا نص العهد الجديد بنصوص الكتابات القديمة تؤكد لنا أن العهد الجديد صحيح بدرجة مذهلة، لأن الذين نقلوا مخطوطاته فعلوا ذلك بدقة بالغة وباحترام كبير لأنه كتاب مقدّس. ولقد حفظت عناية اللّه لنا مخطوطات للعهد الجديد من كل عصر كاملة وصحيحة، تؤكد لنا (بالمقارنة بمخطوطات الكتب القديمة) سلامة العهد الجديد من كل عيب.

        قال محررو الترجمة الإنكليزية المعروفة (R.S.V.) في مقدمتهم لترجمتهم: "يتضح للقارئ المدقق من ترجمتنا عام 1946، وترجمتي عام 1881 و 1901 أن تنقيح الترجمة لـم يؤثر على أية عقيدة مسيحية، لسبب بسيط وهو أن آلاف "القراءات المختلفة" لـم تستدعِ أي تغيير في العقيدة المسيحية".

        إن آلاف المخطوطات القديمة الموجودة من العهد الجديد، مع سيل المخطوطات الأخرى التي تُكتشف، تؤكد لنا أن العهد الجديد قد تـم نقله لنا بأمانة كاملة، تطمئننا تماماً على العقيدة المسيحية - وأن اعتمادنا على العهد الجديد - على أساس علمي - أقوى من اعتمادنا على أية مخطوطة قديمة أخرى!

        وقال الأستاذ عباس محمود العقاد في كتابه "حياة المسيح" (كتاب الهلال - يناير 1958):

        "ليس من الصواب أن يُقال إن الأناجيل جميعاً عُمدة لا يُعوَّل عليها في تاريخ السيد المسيح، لأنها كُتبت عن سماع بعيد ولـم تُكتب عن سماع قريب في الزمن والمكان، ولأنها في أصلها مرجع واحد متعدد النَّقَلة والنسَّاخ، ولأنها  رَوَت من أخبار الحوادث ما لـم يذكره أحد من المؤرخين، كانشقاق القبور وبعث موتاهم وطوافهم بين الناس وما شابه ذلك من الخوارق والأهوال.

        وإنما الصواب أنها العُمدة الوحيدة في كتابة ذلك التاريخ، إذ هي قد تضمنت أقوالاً في مناسباتها لا يسهل القول باختلافها، ومواطن الاختلاف بينها معقولة مع استقصاء أسبابها والمقارنة بينها وبين آثارها. ورفضها على الجملة أصعب من قبولها عند الرجوع إلى أسباب هذا وأسباب ذاك.

        فإنجيل متّى مثلاً ملحوظ فيه أنه يخاطب اليهود ويحاول أن يزيل نفرتهم من الدعوة الجديدة، ويؤدي عباراته أداء يلائم كنيسة بيت المقدس في منتصف القرن الأول للميلاد.

        وإنجيل مرقس على خلاف ذلك ملحوظ فيه أنه يخاطب "الأمم" ولا يتحفَّظ في سرد الأخبار الإلهية التي كانت تحول بين بني إسرائيل "المحافظين" والإيمان بألوهية المسيح.

        وإنجيل لوقا يكتبه طبيب ويقدمه إلى ثري كبير، فيورد فيه الأخبار والوصايا من الوجهة الإنسانية، ويحضر في ذهنه ثقافة الثري الذي أهدى إليه نسخته وثقافة أمثاله من العلية.

        وإنجيل يوحنا غلبت عليه فكرة الفلسفة. بدأه بالكلام عن "الكلمة" Logos ووصف فيه التجسد الإلهي على النحو الذي يألفه اليونان ومن حضروا محافلهم ودرجوا معهم على عادات واحدة.

        وسواء رجعت هذه الأناجيل إلى مصدر واحد او أكثـر من مصـدر، فمـن الواجب أن يدخل في الحسبان أنها هي العُمدة التي اعتمد عليها قوم هو أقرب الناس إلى عصر المسيح، وليس لدينا نحن بعد قرابة ألفي سنة عُمدة أحق منها بالاعتماد.

        ونحن قد عوَّلنا على الأناجيل، ولـم نجد بين أيدينا مرجعا أوفَى منها لدرس حياة المسيح والإحاطة بأطوار الرسالة وملابساتها".

2 - شهادة المخطوطات للعهد الجديد :

        يقول أ. ت. روبرتس مؤلف أقوى كتاب عن قواعد اللغة اليونانية للعهد الجديد: إنه يوجد نحو عشرة آلاف مخطوطة للفولجاتا اللاتينية، وعلى الأقل ألف مخطوطة من الترجمات القديمة، ونحو 300 5 مخطوطة يونانية للعهد الجديد  بكامله، كما يوجد لدينا اليوم 24 ألف مخطوطة لأجزاء من العهد الجديد، كما أننا نقدر أن نجمع أجزاء كثيرة من العهد الجديد من اقتباسات الكُتَّاب المسيحيين الأولين (7).

        ويقول جون وارويك مونتجمري: "لو أننا جعلنا مخطوطات العهد  الجديد موضع شك للزمنا أن نرفض كل الكتابات القديمة، لأنه لا يوجد كتاب ثابت ببليوغرافياً مثل العهد الجديد".

        وقال السير فردريك كنيون (مدير مكتبة المتحف البريطاني، وأعظم ثقة في دراسة المخطوطات): "عندنا أعداد كبيرة من مخطوطات العهد الجديد، وهذا يختلف عن كل المخطوطات الأخرى، فمخطوطات العهد الجديد تمتاز عنها  جميعاً في أن الفترة الزمنية بين كتابة المخطوطة الأصلية وبين المخطوطات التي وصلتنا منها، قصيرة نسبيا. فقد كُتبَت أسفار العهد الجديد في أواخر القرن الرابع الميلادي وبعضها من قبله (أي بعد 250 أو 300 سنة) على الأكثر من كتابتها. وقد تبدو هذه لنا فترة طويلة نوعاً ما، ولكنها ليست شيئا بالنسبة للقرون  الطويلة التي تفصل ما بين المخطوطات الأصلية لمؤلفات كُتَّاب الإغريق العظام وبين النُّسَخ الموجودة الآن، فالنُّسَخ الموجودة لدينا من روايات سوفوكليس السبع ترجع إلى 1400 سنة بعد موت الشاعر، ومع ذلك نعتقد أنها تحمل لنا بكل دقة، ما كتبه سوفوكليس".

        ويبدو غِنى العهد الجديد، في عدد مخطوطاته عند مقارنته بالكتابات الأخرى: فكتابات قيصر عن حروب الغال (كُتبَت عام 58 - 50 ق.م.) توجد لها عدة مخطوطات، تسع أو عشر منها صالحة، وأَقدمها بعد عهد قيصر بتسعمائة سنة! ومن أصل 142 كتاباً كتبها ليفي عن التاريخ الروماني (59 ق.م. -   17 م)، لا يزيد عدد ما يمكن أن يُعتمد عليه منها عن عشرين مخطوطة، واحدة منها فقط (تحوي كتب 3 - 6) ترجع إلى القرن الرابع الميلادي! ومن أصل 14 كتاباً للمؤرخ تاسيتوس (100 م) لـم يبقَ منها اليوم إلا أربعة كتب ونصف. ومن أصل 16 كتاباً من حولياته التاريخية لا نجد اليوم إلا عشراً منها كاملة واثنتين في أجزاء. وكل هذا التاريخ لتاسيتوس يعتمد على مخطوطتين، واحدة ترجع للقرن التاسع الميلادي، والأخرى للقرن الحادي عشر.

        أما تاريخ ثوسيديدس (460 - 400 ق.م.) فمعروف من ثـماني مخطوطات، أحدثها يرجع للقرن التاسع الميلادي، مع بعض أوراق البردي التي ترجع للقرن الأول الميلادي. ويصدُق الأمر نفسه على تاريخ هيرودوت (488 - 428 ق.م.) ومع ذلك لا يجرؤ عالِم واحد على الشك في كتب تاريخ ثوسيديدس أو هيرودوت لأن المخطوطات الموجودة لكتبهما ترجع إلى 1300 سنة بعد وفاتهما.

ويوضح الجدول الآتي تاريخ بعض الكتابات القديمة:

عدد النسخ

الزمن الذي انقضى
منذ الكتابة الأصلية

أقدم نسخة

موعد الكتابة

الكتاب

10

1000 سنة

900 م

100 - 44 ق.م.

قيصر

20

 

 

59 ق.م. - 17 م

ليفي

7

1200 سنة

900 م

427 - 347 ق.م.

أفلاطون

20

1000 سنة

1100 م

100 م

تاسيتوس (الحوليات)

1

900 سنة

1000 م

100 م

(أعماله الأخرى)

7

750 سنة

850 م

61 - 113 م

بلني الصغير (تاريخ)

8

1300 سنة

900 م

460 - 400 ق.م.

ثوسيديدس (تاريخ)

8

800 سنة

950 م

75 - 160 م

سوتينيوس

8

1300 سنة

900 م

480 - 425 ق.م.

هيرودتس (تاريخ)

 

900 سنة

 

 

هوارس

193

1400 سنة

1000 م

496 - 406 ق.م.

سوفوكليس

2

1100 سنة

 

مات في 55 أو 53 ق.م.

لوكريتوس

3

1600 سنة

1550 م

54 ق.م.

كاتولس

9

1500 سنة

1100 م

480 - 406 ق.م.

يوربيدس

200(1)

1300 سنة

1100 م

383 - 322 ق.م.

ديموستينيس

49

1400 سنة

1100 م

384 - 322 ق.م.

أرسطو

10

1200 سنة

900 م

450 - 385 ق.م.

أرستوفانيس

 

            (1) كلها منقولة عن نسخة واحدة من أي مؤلف من مؤلفاته.

3 - الترتيب التاريخي لمخطوطات العهد الجديد :

        هناك بعض الأشياء التي تساعدنا على تحديد عمر المخطوطة، هي :

        1 - مادتها.

        2 - حجم حرف الكتابة وشكله.

        3 - علامات الترقيم.

        4 - أقسام النص.

        5 - الزخرفة.

        6 - لون الحبر.

        7 - نسيج الرقوق ولونها.

        وإليك أسماء وتواريخ بعض المخطوطات :

        1 - مخطوطة جون رايلاند (Ryland) (130 م) في مكتبة مانشستر بإنجلترا  وهي أقدم المخطوطات، وُجدت في مصر. بها إنجيل يوحنا، مع أن المعروف أن هذا الإنجيل كُتب في آسيا الصغرى. وهي تؤكد لنا أن الإنجيل كُتب حوالي نهاية القرن الأول الميلادي.

        وقد قضى اكتشاف هذه المخطوطة على الهجوم الذي كان يوجَّه إلى إنجيل يوحنا، باعتبار أنه كُتب نحو عام 160 م (2).

        2 - مخطوطات تشستر بيتي (Chester Beatty Papyri) (200 م) موجودة في متحف بيتي في دبلن، وجزء منها في جامعة متشيجان .. وهي من ورق البردي، وتحتوي ثلاثة منها على معظم العهد الجديد. وهي أقرب المخطوطات إلى النص الأصلي من جهة تاريخية (3). ويقول سير فردريك كنيون: "إنّ هذا الاكتشاف هو أعظم اكتشاف منذ اكتشاف النسخة السينائية، فهو يضيِّق الفجوة الزمنية بين تاريخ المخطوطات التي بين أيدينا وبين تاريخ كتابة أسفار العهد الجديد، فلا يعود هناك مجال للشكل في صدقها. فليس لنصوص كتاب آخر مثل هذا السند من المخطوطات القديمة والكثيرة، ولا يمكن لأي عالِم غير منحاز أن ينكر أن النص الذي وصل إلينا هو نص صحيح".

        3 - بردية بُدْمر (Bodmer) الثانية (150 - 200 م) موجودة بمكتبة بُدْمر وتحوي إنجيل يوحنا، وهي أهم مخطوطة بعد مخطوطات تشستر بيتي، وكثيرون من العلماء يرجعون بتاريخها إلى منتصف القرن الثاني، إن لـم يكن إلى النصف الأول منه.

        4 - الدياطسَّرون - ومعناه "اتفاق الأجزاء الأربعة" - وهو إظهار الاتفاق بين البشيرين الأربعة، كتبه تاتيان عام 160 م. وقد كتب يوسابيوس في تاريخه: "لقد قام قائدهم السابق تاتيان بكتابة جَمْع للأناجيل دعاه "دياطسَّرون" ولا زال هذا موجوداً الآن في بعض الأماكن". أما تاتيان هذا فهو مسيحي أشوري، أول من كتب في اتفاق البشيرين، ويوجد اليوم لدينا جزء صغير فقط مما كتبه تاتيان (2).

        5 - النسخة الفاتيكانية (Codex Vaticanus) (325 - 350 م) موجودة بمكتبة الفاتيكان وتحوي كل الكتاب المقدس تقريبا، وهي من أثـمن مخطوطات الكتاب المقدس اليونانية.

        6 - النسخة السينائية (Codex Sinaiticus) (350 م) موجودة في المتحف البريطاني، وتحوي كل العهد الجديد ما عدا مرقس 9:16-20، يوحنا 53:7 - 11:8 كما تحوي أكثر من نصف العهد القديم. وقد عَثر عليها تشندرف في سلة للمهملات في دير جبل سيناء عام 1844، وسلّمها الدير هدية لقيصر روسيا عام 1859، واشترتها الحكومة البريطانية من الاتحاد السوفيتي بمائة ألف جنيه يوم عيد الميلاد سنة 1933.

        7 - النسخة الأسكندرية (Codex Alexandrinus) (400 م) بالمتحف

البريطاني، وتقول الموسوعة البريطانية إنها كُتبت باليونانية في مصر، وتحوي كل الكتاب المقدس تقريبا.

        8 - النسخة الافرايمية (Codex Ephraemi) (400 م) موجودة في المكتبة الوطنية في باريس. وتقول الموسوعة البريطانية إنها ساعدت على التأكد من بعض قراءات العهد الجديد، وهي تحويه كله ما عدا رسالتي تسالونيكي الثانية ويوحنا الثانية.

        9 - النسخة البيزية (Codex Bezae) (450 م) موجودة في مكتبة كامبريدج وتحوي الأناجيل وأعمال الرسل باللغتين اليونانية واللاتينية.

        10 - نسخة واشنطن (أو نسخة الفريرية - من 450 - 500 م) وهي تحتوي على الأناجيل الأربعة بالترتيب الآتي: متى، يوحنا، لوقا، مرقس.

        11 - نسخة كلارومنت (Codex Claromontanus) (500 م) وتحتوي على رسائل بولس الرسول (في اللغتين اليونانية واللاتينية).

        وهذه المخطوطات القديمة، وغيرها الكثير، تُظهِر:

        (أ) أن مخطوطات الكتاب المقدس أكثر جدا من مخطوطات أي كتاب قديم آخر.

         (ب) أن تاريخ المخطوطات الموجودة عندنا قريب جداً من تاريخ كتابة النص الأصلي، إذا قارنا ذلك بأي مخطوطة أخرى لأي كتاب قديم.

        ويقول العلاّمة ف. هورت الذي قضى 28 سنة في دراسة نصوص العهد الجديد: "إن هذه الكثرة من مخطوطات العهد الجديد والتي يعود الكثير منها إلى العصور الأولى التي تكاد تتصل بتاريخ كتابة النص الأصلي، تجعل نص العهد الجديد يقف فريداً بين كل الكتابات الكلاسيكية القديمة، ولا تدانيه في ذلك أيّة كتابات أخرى".

        ويقول جرينلي: "لما كان العلماء يقبلون الكتابات الكلاسيكية اليونانية القديمة، رغم أن النسخة الموجودة عندنا منها كُتبت بعد تأليف النسخة الأصلية بألف سنة، أو أكثر، فمن الواضح أننا نقْدِر أن نعتمد على ما عندنا من العهد الجديد اليوم بثقة كبيرة".

        ويقدِّم العالمان جيسلر ونيكس المقارنة التالية: أكثر الكتب القديمة من جهة المخطوطات الموجودة عندنا اليوم هو العهد الجديد، ومن بعده الألياذة (634 مخطوطة) وكانت الألياذة والعهد الجديد تُعتبران كتباً "مقدسة". في العهد الجديد عشرون ألف سطر، وفي الألياذة 15600 سطر. من العهد الجديد 400 كلمة (أو أربعون سطراً) موضع شك، بينما 764 سطراً من الألياذة موضع شك - 5% من الألياذة موضع شك، بينما أقل من نصف النصف في المائة من العهد الجديد موضع شك. ولكن "المهابهاراتا" الهندية لاقت فساداً أكثر، فمِن أصل 250 ألف سطر فيها نحو 26 ألف سطر موضع شك (أكثر من 10%) (2).

 

 

 

 

 

        ومن حسن الحظ أنه في حالة وجود هذه الكثـرة الهائلـة من المخطوطــات يسهل الوصول إلى النص الأصلي - (أنظر الرسم) فمن المخطوطات 16-26 يمكن الوصول إلى المخطوطة (1) - أي المخطوطة الأولى.

4 - ترجمات العهد الجديد :

        من الأمور التي تؤيد صحة الكتاب المقدس ودقته، وجود ترجمات قديمة. ولـم تُترجَم أية كتابات إلى لغات مختلفة كما ترجم العهد الجديد، لأن المسيحية ديانة تبشيرية. وقد تَرجَم الكارزون الأولون أسفار العهد الجديد إلى لغات الشعوب التي كانوا يكرزون لها لتساعدهم على نشر إيمانهم. وهكذا تُرجم العهد الجديد إلى السريانية واللاتينية والقبطية. وقد تمت الترجمتان السريانية واللاتينية حوالي عام 150 م. وهذا أقرب ما يكون إلى زمن كتابة الأسفار الأصلية.

 

 

 

 

 

 

        وهناك أكثر من خمسة عشر آلاف مخطوطة موجودة اليوم من الترجمات القديمة.

        1 - الترجمات السريانية :

        "الترجمة السريانية القديمة" للأناجيل الأربعة، منقولة في القرن الرابع الميلادي. ومن اللازم أن نوضح أن كلمة "السريانية" تُطلق على اللغة الآرامية المسيحية، وتُكتَب بحروف آرامية مع تعديلات بسيطة.

        "البشيطا السريانية" ومعناها البسيطة، وهي الترجمة النموذجية، أُنجزت بين عامي 150 و 250 م. وعندنا اليوم 350 مخطوطة من هذه الترجمة ترجع إلى القرن الخامس.

        "النسخة الفيلوكسنيان" (508 م) فقد ترجم بوليكاربوس العهد الجديد للسريانية ترجمة جديدة، قدّمها إلى فيلوكيناس أسقف مابوج.

        "نسخة هاركل السريانية" وترجع لعام 616 م قام بها توماس الهاركلي.

        "نسخة فلسطين السريانية" يُرجعها معظم العلماء لعام 400-450 م.

        2 - الترجمات اللاتينية :

        "اللاتينية القديمة" هناك شهادات من القرن الرابع إلى القرن الثالث عشر الميلادي أنه في القرن الثالث الميلادي انتشرت ترجمة لاتينية قديمة في شمال أفريقيا وأوروبا.

        "اللاتينية القديمة الأفريقية" (أو النسخة البابينسية 400 م) وهناك ما يدل على أنها نُقلت عن بردية من القرن الثاني.

        "النسخة الكوربيانية" (400 - 500 م) تحوي الأناجيل الأربعة.

        "النسخة الفرسيليانية" (360 م).

        "النسخة البلاتينية" (القرن الخامس الميلادي).

        "الفلجاتا" اللاتينية ومعناها "العامة أو الشعبية" وكان القديس ايرونيموس (جيروم) سكرتير دماسوس أسقف روما. وقد قام ايرونيموس بالترجمة بناء على طلب الأسقف من عام 366 - 384 م.

        3 - الترجمات القبطية (المصرية) :

        يقول بروس إن الترجمة الأولى للقبطية ربما تمت في القرن الثالث أو   الرابع (3).

        "النسخة الصعيدية" في بداية القرن الثالث.

        "النسخة البحيرية" في القرن الرابع.

        "نسخة مصر الوسطى" في القرن الرابع أو الخامس.

        4 - ترجمات أخرى :

        الأرمنية - في القرن الخامس، تُرجمت عن اليونانية الجورجية - (لبلاد القوقاز) - وترجع إلى القرن الرابع.

5 - آباء الكنيسة الأولون يشهدون للعهد الجديد :

        تقول الموسوعة البريطانية: "عندما يفحص أحد العلماء المخطوطات والترجمات، لا يكون قد أنهى كل دراسته لنصوص العهد الجديد، فإن كتابات آباء الكنيسة الأولين تُلقِي مزيداً من الضوء، لأن بها اقتباسات من العهد الجديد قد تختلف عن إحدى أو بعض المخطوطات الحالية، لأنها مأخوذة من مخطوطات أقدم لـم تصل إلينا. وعلى هذا فإن شهادة هؤلاء الآباء للنص، وبخاصة عندما تتطابق مع المصادر الأخرى، يجب أن تُضاف إلى ما عندنا من مراجع".

        وقد اقتبس آباء الكنيسة من العهد الجديد بكثرة تمكّننا من تجميـع العهـــد

الجديد من اقتباساتهم. وحتى لو أن كل ما عندنا من المخطوطات ضاع، لتمكّنا من تجميع العهد الجديد من كتابات الآباء الأولين".

        ولقد انشغل السير "دافيد دالرمبل Dalrymple" بفكرة "لو ضاع العهد الجديد أو أحرق في القرن الثالث الميلادي، وقت الاضطهاد العنيف، فهل كنا نقدِر أن نعيد جمعه من الاقتباسات الموجودة بكتابات الآباء في القرنين الثاني والثالث؟".

        وقضى السير دافيد دالرمبل زمناً درس فيه كل ما وصل إلينا مما كتبه آباء القرنين الثاني والثالث، ووصل إلى هذه النتيجة: لقد وُجد كل العهد الجديد، ما عدا إحدى عشرة آية ! ! (2).

        على أننا نحتاج إلى مراعاة أمرين :

        1 - بعض الآباء يقتبسون من الذاكرة، ولا ينقلون الآيات بالنص والحروف.

        2- حدثت بعض الأخطاء من النُسَّاخ عن عمد أو عن سهو.

        والآن تعالوا ندرس الآتي :

        1 - القديس اكليمندس الروماني (95 م - يقول عنه أوريجانوس:  إنه تلميذ الرسل، ويقول عنه ترتليان إنه تعيَّن من بطرس، ويقول عنه إيريناوس إن مواعظ الرسل لا تزال تدوي في أذنيه وإن عقائدهم أمام عينيه).

        يقتبس أكليمندس الروماني في كتاباته من متى - مرقس - لوقا -  أعمال - كورنثوس الأولى - بطرس الأولى - العبرانيين - تيطس.

        2 - أغناطيوس (70 - 110 م) أسقف أنطاكية، الذي كان يعرف الرسل جيدا، وكان تلميذ بوليكاربوس. استشهد سنة 110 م. كتب سبع رسائل تحوي اقتباسات من متى - يوحنا - أعمال - رومية - كورنثوس    الأولى - أفسس - فيلبي - غلاطية - كولوسي - يعقوب - رسالتي  تسالونيكي - رسالتي تيموثاوس وبطرس الأولى.

        3 - اقتبس كل من بوليكاربوس (70 - 156 م) أسقف سميرنا الذي استشهد في السادسة والثمانين من عمره، وهو تلميذ الرسول يوحنا. وبرنابا (70 م) وهرماس (95 م) وتاتيان (170 م) وايريناوس أسقف ليون (170 م).

        4 -  ومن بعد هؤلاء أكليمندس الاسكندري (150 - 212 م) اقتبس 240 آية من كل أسفار العهد الجديد، ما عدا ثلاثة أسفار - وترتليان (160 - 220) الذي كان أسقف قرطجنة الذي اقتبس سبعة آلاف آية منها 3800 من الأناجيل. وهبوليتس (170 - 235) اقتبس أكثر من 1300 آية. وأوريجانوس اقتبس أكثر من 18 ألف آية (185 - 254 م) وكذلك كيبريانوس (مات سنة 258 م) أسقف قرطجنة، استخدم حوالي 740 اقتباسا من العهد القديم و1030 من العهد الجديد.

        ولقد أحصيت في كتابات الآباء السابقين لمجمع نيقية (325 م) اقتباسات بلغ عددها 32 ألفاً من العهد الجديد! وهذا العدد الضخم لا يشمل كل الاقتباسات، كما أنه لا يشمل اقتباسات كُتَّاب القرن الرابع. وبإضافة ما اقتبسه يوسابيوس الذي عاصر مجمع نيقية، يبلغ عدد هذه الاقتباسات 000 36       هذا بخلاف اقتباسات أغسطينوس وامبياس ولشتاس وفم الذهب وجيروم وغايس الروماني، وأثناسيوس وامبروزيوس أسقف ميلان، وكيرلس الاسكندري، وافرايم السرياني وهيلاريوس أسقف بواتيبه، وجيريجوري النيسيّ وغيرهم...

        وإليك جدولاً وضعه جيسلر ونيكس ببعض الاقتباسات (2) :

المجموع

الرؤيا

الرسائل العامة

رسائل بولس

الأعمال

الأناجيل

الكاتب

330

3 + 266 استشهاد

6

43

10

268

جستن مارتر

1819

65

23

499

194

1038

ايريناوس

2406

11

207

1127

44

1017

أكليمندس الاسكندري

17922

165

399

7778

349

9231

أوريجانوس

7258

205

120

2609

502

3822

ترتليان

1378

188

27

387

42

734

هبوليتس

5176

27

88

1592

211

3258

يوسابيوس

 

 

 

 

 

 

 

36289

664

870

14035

1352

19368

المجموع

6 - شاهد على صحة المخطوطات من القراءات الكنسية :

        على أن هناك شاهداً آخر على صحة مخطوطات العهد الجديد، هو وجود أجزاء كثيرة منها في القراءات الكنسية، فقد تبع المسيحيون عادة اليهود في العبادة بقراءة أجزاء من الناموس والأنبياء كل سبت في المجامع، فأخذ المسيحيون يقرأون أجزاء من العهد الجديد في كل أوقات العبادة في الكنائس. وقد تحددت الأجزاء من الأناجيل والرسائل التي تُقرأ كل يوم أحد، وفي الأعياد والمواسم. ولـم تكمل بعد دراسة ما وصل إلينا من القراءات من العهد الجديد، ولكن ترجع أقدم الرقوق التي عندنا إلى القرن السادس، بينما المخطوطات الكاملة تعود إلى القرن الثامن وما بعده.

        والقراءات الكنسية عادة محافِظة، تعتمد على أقدم المخطوطات، وهذا يعطيها قيمة عظيمة فيما يختص بدراسة نصوص العهد الجديد.

العهد القديم

        ليس عندنا مثل هذه الوفرة من مخطوطات للعهد القديم كما هو الحال بالنسبة للعهد الجديد. وحتى اكتشاف مخطوطات البحر الميت كانت أقدم مخطوطة عندنا للعهد القديم ترجع إلى سنة 900 م (أي بعد كتابة آخر أسفار العهد القديم بألف وثلاثـمائة سنة). وقد يبدو من هذا أن العهد القديم - لا يزيد في هذا الصدد - عن سائر الكتابات القديمة، ولكن مخطوطات البحر الميت للعهد القديم ترجع إلى عصر ما قبل ميلاد المسيح.

        وبدراسة هذه الحقائق، نجد أن هناك العدد الوفير من الأدلة على أن المخطوطات التي بين أيدينا هي مخطوطات صحيحة من وجهة الببليوغرافيا. وقد قال السير فردريك كنيون: "يمكن للمسيحي أن يمسك بالكتاب المقدس كله في يده، ويقول بغير خوف أو تردد إنه يمسك بكلمة اللّه الحقيقية التي سُلِّمت عبر القرون من جيل إلى جيل بدون أن يُفقَد شيء من قيمتها" (13).

        ونستطيع أن ندرك صحة مخطوطات العهد القديم لو عرفنا:

1 - الاهتمام الزائد بنقل المخطوطات

        يقول قاموس الكتاب المقدس لصموئيل دافيدسون إن الخطوات التالية تُتَّبع بدقة في كتابة مخطوطة العهد القديم، كما جاء في التلمود:

        1- الدرج المستعمل للقراءة في المجمع يجب أن يكون مكتوباً على جلد حيوان طاهر.

        2- يجب أن يجهزه يهودي لاستعماله في المجمع.

        3- تُجمع الرقوق معاً بسيور مأخوذة من حيوان طاهر.

        4- يجب أن يحتوي كل رق على عدد ثابت من الأعمدة في كل المخطوطة.

        5- يجب أن يتراوح طول كل عمود ما بين 48 - 60 سطراً. وعرض العمود يحتوي على ثلاثين حرفاَ.

        6- يجب أن تكون كل الكتابة على السطر، ولو كُتبت ثلاث كلمات على غير السطر تُرفض المخطوطة كلها.

        7- يجب أن يكون حبر الكتابة أسود، لا أحمر ولا أخضر ولا أي لون آخر. ويتم تجهيزه طبق وصفة ثابتة.

        8- يتم النقل بكل دقة من مخطوطة صحيحة تماماً.

        9- لا يجب كتابة كلمة أو حرف أو نقطة من الذاكرة. يجب أن ينقل الكاتب كل شيء من المخطوطة النموذجية.

        10- يجب ترك مسافة شعرة أو خيط بين كل حرفين.

        11- يجب ترك مسافة تسعة حروف بين كل فقرتين.

        12- يجب ترك مسافة ثلاثة سطور بين كل سفرين.

        13- يجب إنهاء سفر موسى الخامس بانتهاء سطر. ولا داعي لمراعاة ذلك مع بقية الأسفار.

        14- يجب أن يلبس الناسخ ملابس يهودية كاملة.

        15- ويجب أن يغسل جسده كله.

        16- لا يبدأ كتابة اسم الجلالة بقلم مغموس في الحبر حديثاً.

        17- لو أن ملكاً خاطب الكاتب وهو يكتب اسم الجلالة فلا يجب أن يعيره أي التفات.

        وكل مخطوطة لا تتبع فيها هذه التعليمات تُدفن في الأرض أو تُحرق أو تُرسل للمدارس لتُقرأ فيها ككتب مطالعة، ولا تُستعمل في المجامع ككتب مقدسة.

        من هذا نرى سبب قلَّة عدد مخطوطات العهد القديم الموجودة عندنا اليوم، وهو برهان على الصحة للدقة المتناهية التي كان يراعيها النساخ، فإنهم لـم يكونوا يقبلون أية مخطوطة إلا إذا كانت مطابقة تماماً للمخطوطة الأصلية (2).

        ويقول فردريك كنيون إن المخطوطة الجديدة التي روعي في نسخها كل هذه الدقة تُعتبر مساوية تماماً للمخطوطة القديمة، دون التفات لقدمها. بالعكس كانت المخطوطة تُعتبر أفضل، لأن المخطوطة القديمة كانت تتآكَل وتتمزق، فتصبح غير صالحة للاستعمال.

        وكان اليهود يحفظون بعض المخطوطات القديمة المتآكلة أو الممزقة في خزانة بالمجمع ولا يستعملونها، وقد اكتُشفت بعض هذه المخطوطات اليوم. وهكذا كانوا يعتبرون المخطوطة الجديدة أفضل لخلوها من أي تلف. وعندما كانت الخزانة تمتلئ بالمخطوطات القديمة، كانوا يحرقونها ويدفنونها في الأرض وهذا هو سبب قلة عدد المخطوطات العبرية القديمة اليوم (13)، بالإضافة إلى الاضطهادات التي تعرّضوا لها هم وأسفارهم وممتلكاتهم.

        ولـم يكن اهتمام اليهود بالمخطوطات المقدسة أمراً حديثاً بعد سقوط أورشليم لكنه كان منذ القديم، فيُقرأ أن عزرا كان كاتباً ماهراً (عزرا 6:7و10) أي أنه كان كاتبا محترفاً ماهراً في الأسفار المقدسة.

2 - أشخاص متخصّصون لنقل المخطوطات :

        هناك حقبة معروفة بالحقبة المازورية (500 - 900 م) قَبِل فيها جماعة من الكتبة (المعروفين بالمازوريين) مسؤولية تحرير ونسخ ومطابقة مخطوطات  العهد القديم (أخذوا إسمهم من مازورا، بمعنى تقليد). وكان مركز عملهم في طبرية. وقد عملوا نسخاً من العهد القديم، وضعوا فيها علامات تشكيل لتسهيل القراءة الصحيحة، وأطلقوا عليها (النسخة المازورية) وهي النسخة العبرية المعتمدة الآن.

        وقد عامل أولئك الكتبة النص بتوقير كامل، وأخذوا كافة الاحتياطات ضد الخطأ، فأحصوا مثلاً عدد كل حرف من حروف الأبجدية في كل سفر. وحدّدوا الحرف الأوسط مثلاً في أسفار موسى الخمسة، والحرف الأوسط في الكتاب كله، وغير ذلك من الحسابات والإحصاءات الدقيقة! كما أنهم وضعوا هذه الأرقام في أشعار (أو ما شابه ذلك) ليذكروا الأرقام بسرعة ! (3).

        ويقول السير فردريك كنيون إنهم أحصوا عدد الآيات والكلمات والحروف في كل سفر، كما حددوا الحروف الوسطى والكلمات الوسطى في كل سفر، وعرفوا الآيات التي تحتوي كلماتها على كل حروف الأبجدية أو عدداً معيناً منها. ومع أن هذه الإحصاءات تافهة في نظرنا، إلا أنها دليل قوي على احترامهم للأسفار المقدسة، واهتمامهم البالغ بعدم سقوط حرف أو نقطة من النصوص المقدسة (13). ولهذا هم يستحقون كل ثناء.

        وقال العالِم اليهودي عقيبة في القرن الثاني الميلادي إن النقل المضبوط للتوراة صيانة لها. وهذا يُظهر الاهتمام الزائد بالأمانة في عمل المازوريين.

        قال روبرت ويلسون في كتابه "بحث علمي في العهد القديم" ان الدقة المطلقة في نقل أسماء الملوك الأجانب إلى اللغة العبرية أمر مذهل، فهناك 144 حالة تـم فيها النقل من المصرية والأشورية والبابلية والموآبية إلى العبرية، كما نقل الأسماء العبرية في 40 حالة إلى هذه اللغات. وفي خلال 2300 - 3900 سنة لـم يحدث خطأ واحد في نقل الأسماء بكل دقة. ولـم يحدث في كل تاريخ الآداب القديمة أن تـم النقل بمثل هذه الدقة. لقد ظهر في العهد القديم أسماء نحو أربعين ملكاً في الفترة من 2000 ق.م. - 400 ق.م. وكلها جاءت في تسلسل تاريخي مضبوط تماماً، سواء بالنسبة لملوك الدولة الواحدة أو بالنسبة للملوك المعاصرين في الدول الأخرى. وهذا برهان على دقة سجلات العهد القديم بصورة تفوق الخيال! إن كل ما ظهر من مخطوطات أو حفريات بابلية يتفق تماماً مع ما جاء في العهد القديم (17).

        ويقول وليم جرين: "يمكننا أن نقول واثقين إنه لا يوجد كتاب قديم آخر قد نُقِل إلينا بمثل هذه الدقة".

3- مخطوطات قديمة للعهد القديم :

        "النسخة القاهرية" (895 م) موجودة في المتحف البريطاني، وقد نسختها أسرة موسى بن أشير، وهي تحوي كتابات الأنبياء المتقدمين والمتأخرين.

        "نسخة الأنبياء في لننجراد" (916 م) تحوي نبوات إشعياء وإرميا وحزقيال والأنبياء الصغار.

        أما أقدم مخطوطة كاملة للعهد القديم فهي "النسخة البابلية (1008 م) وهي موجودة في لننجراد. وقد نُسخت عن مخطوطة مضبوطة نسخها الحاخام هرون بن موسى بن أشير عام 1000 م (2).

        "نسخة حلب" (900 م) وهي نسخة هامة جداً، وقد تعرضت للضياع مرة، ولكنها اكتُشفت مرة أخرى وهي لـم تسلم من بعض التلف.

        "نسخة المتحف البريطاني" (950 م) تحوي أجزاء من التكوين للتثنية.

        "نسخة روخلن للأنبياء" (1105 م) جهزها ابن نفتالي المازوري.

شهادة مخطوطات البحر الميت :

        سأل السير فردريك كنيون: "هل النص المعروف بالمازوري المأخوذ من نسخة كانت موجودة عام 100 م، يمثل النص الأصلي الذي كتبه كتَّاب العهد القديم"؟

        وقد جاءت مخطوطات البحر الميت لتقول: نعم. بالتأكيد!

        أما هذه المخطوطات فتتكوَّن من أربعين ألف قطعة، أمكن تجميع خمسمائة كتاب منها - بينها كتب عن قوانين الحياة في مجتمع قمران، وأصول التلمذة فيها، مع تفاسير لبعض الأسفار. أما قصة اكتشاف هذه المخطوطات فترجع إلى أن راعي أغنام بدوي اسمه "محمد" كان يبحث عن معزة ضائعة في مارس (آذار) 1947، فرمى حجراً في ثقب في تل على الجانب الغربي للبحر الميت، على بعد ثـمانية أميال جنوب أريحا، واندهش وهو يسمع صوت تحطيم آنية فخارية، فدخل ليستكشف الأمر، فوجد أواني فخارية كبيرة تحتوي لفائف من الجلد ملفوفة في أنسجة كتانية. ولما كانت الأواني الفخارية مغلقة بإحكام، فقد بقيت المخطوطات في حالة ممتازة لمدة نحو 1900 سنة، فقد وضعت تلك المخطوطات داخل الأواني عام 68 م.

          وقد اشترى رئيس دير السريان الأرثوذكس بأورشليم خمساً من تلك المخطوطات، كما اشترى الأستاذ سكنك من الجامعة العبرية بأورشليم ثلاثاً، وكتب في مذكراته عنها يقول: "لعل هذا واحد من أعظم الاكتشافات في فلسطين، أكثر جداً مما توقعنا".

        وفي فبراير (شباط) سنة 1948 اتصل رئيس الدير السرياني بالمدرسة الأمريكية للبحوث الشرقية في أورشليم وأخبرهم عن المخطوطات. وكان المدير شاباً عالماً يهوى التصوير أيضاً، اسمه جون تريفر، فقام بجهد خارق في تصوير كل عمود من مخطوطة سفر إشعياء وهي بطول 24 قدماً وعرض عشر بوصات وحمّض الأفلام بنفسه وأرسل بعض الصور منها إلى الدكتور أولبرايت من جامعة جون هوبكنز، الذي كان يُعتبر عميد علماء الحفريات الكتابية. فأرسل رده برجوع البريد يقول: "تهانيَّ القلبية على اكتشاف أعظم مخطوطة في عصرنا الحديث. يا له من اكتشاف مذهل! ولا يمكن أن يوجد ظل شك في العالـم كله في صحة هذه المخطوطة" وقال أنها ترجع لسنة 100 ق.م.

قيمة المخطوطات :

        وإننا نتساءل: كيف نتأكد أن مخطوطة من عام 900 م صحيحة وطبق الأصل من المخطوطات القديمة السابقة لميلاد المسيح؟ والإجابة: شكراً لمخطوطات البحر الميت، فإن مخطوطة إشعياء ترجع إلى ما قبل المخطوطات التي معنا بألف سنة، فالعلماء يرجعون بتاريخ نسخها إلى عام 125 ق.م.! أما بقية المخطوطات في وادي قمران فيرجع تاريخها إلى ما بين 200 ق.م. وحتى     68 م. ولقد وُجِد تطابق مذهل بين مخطوطة إشعياء القديمة (125 ق.م.) ومخطوطات الكتبة المازوريين (916 م) مما يدل على دقة النسَّاخ على مدى ألف عام. فمن 166 كلمة في إشعياء أصحاح 53 يوجد تساؤل حول 17 حرفاً فقط، عشرة حروف منها في الهجاء، وأربعة عن طريقة الكتابة، والثلاثة الأخرى في كلمة "نور" المضافة في آية 11 دون تأثير يذكر في المعنى. على أن هذه الكلمة واردة في الترجمة السبعينية. وعلى هذا ففي أصحاح يحوي 166 كلمة توجد كلمة من ثلاثة أحرف موضع تساؤل .. بعد ألف سنة من النقل       بخط اليد، وهذه الكلمة لا تغير معنى النص! ويقول ف. بروس: ان هناك مخطوطة أخرى غير كاملة لسفر إشعياء وُجدت مع المخطوطة الأولى، وأطلق عليها "إشعياء ب" تمييزاً لها عن الأولى، وهي تتفق بصورة أروع مع النص المازوري.

        ويقول جليسن أركر إن مخطوطات إشعياء التي اكتُشفت في كهوف قمران: "ثبت أنها تطابق النص العبري الذي بين أيدينا فيما يزيد عن 95 % منه، وأن الـ 5 % الباقية هي اختلافات نتيجة زلات النسخ أو في هجاء الكلمات".

        وإن الإنسان ليستغرب كيف ثبتت هذه الدقة المذهلة على مدى ألف عام، وهي شهادة رائعة لدقة الكتبة المازوريين (2).

4- ترجمات العهد القديم :

        تشتَّت اليهود في بلاد مختلفة، فاحتاجوا إلى ترجمة كتبهم المقدسة إلى اللغة السائدة في ذلك العصر، فجاءت "الترجمة السبعينية" من العبرية إلى اليونانية في أثناء حكم بطليموس فيلادلفوس بمصر (285 - 264 ق.م.). وقد جاءت قصة الملك بطليموس إلى أخيه فيلوكراتس قال فيه: "اشتهر بطليموس بأنه حامي الآداب، وقد تأسست مكتبة الإسكندرية (إحدى روائع العالـم الثقافية على مدى 900 سنة) في عهده. وقد أثار ديمتريوس أمين المكتبة حماس الملك لترجمة الشريعة اليهودية. فأرسل وفداً لأليعازر رئيس الكهنة في اورشليم، الذي اختار ستة من الشيوخ المترجمين من كل سبط من أسباط إسرائيل الاثني عشر وأرسلهم للاسكندرية، ومعهم نسخة معتمدة من التوراة مكتوبة على رقوق جميلة. ولقد لقي العلماء المترجمون كل عناية ملكية وأقاموا في جزيرة فاروس، حيث كانت المنارة الشهيرة. وقد أكملوا ترجمة الأسفار الخمسة في 72 يوماً، باتفاق كامل، بعد المناقشة والمقارنة" (3).

        والترجمة السبعينية قريبة جداً من النسخة المازورية التي تعود لعام 916 م، مما يثبت بقاءها مضبوطة عبر الثلاثة عشر قرناً. كما أن الترجمة السبعينية والقراءات الكتابية الموجودة في الأسفار الأبوكريفية مثل يشوع بن سيراخ وسفر اليوبيل وغيرها تثبت جميعها أن النص العبري الذي بين أيدينا الآن هو نفسه الذي كان موجوداً في سنة 300 ق.م.

        ويقول جيلسر ونيكس عن الترجمة السبعينية:

        1- إن الترجمة السبعينية أقامت جسراً (كوبرياً) بين اليهود المتكلمين بالعبرية والمتكلمين باليونانية، وملأت احتياج يهود الإسكندرية.

        2- إنها أقامت جسراً بين العهد القديم في اللغة العبرية التي كان يتكلمها اليهود، وبين المسيحيين الذين كانوا يتكلمون اليونانية، فاستطاعوا أن يستخدموها مع أسفار العهد الجديد.

        3- وساعدت الكارزين على نقل الكتب المقدسة إلى العديد من اللغات واللهجات المختلفة.

        4ـ أسكتت النقَّاد لتطابُقها مع الأصل العبري (2).

        ويقدم بروس الأسباب التي دفعت باليهود لإهمال السبعينية :

        (أ) إن المسيحيين منذ القرن الأول تبنُّوا هذه الترجمة للعهد القديم، واتخذوا منها منطلقاً لنشر إيمانهم والدفاع عنه.

        (ب) في نحو سنة 100 م تبنَّى اليهود نصاً معيناً للعهد القديم العبري، اتفق عليه علماؤهم البارزون (3).

        وهناك "الترجمة السامرية" (القرن الخامس ق.م.) للأسفار الموسوية الخمسة. ويقول بروس "إن الاختلافات بين الترجمة السامرية والنسخة المازورية لا قيمة لها بجانب وجود التطابق".

        وهناك الترجوم، وهي الترجمة إلى الكلدانية التي احتاج اليهود إليها بعد سبيهم (نحو عام 500 ق.م.) ثم هناك "ترجوم أونكيلاس" وأونكيلاس هو تلميذ العالِم اليهودي هليل، وهو للأسفار الموسوية الخمسة ويرجع إلى عام 60 ق.م. كما أن هناك "ترجوم يوناثان بن عزيئيل" (نحو 30 ق.م.) ويحتوي على الأسفار التاريخية وأسفار الأنبياء.

        ويقول بروس إنه في القرون الأخيرة قبل الميلاد نشأت القراءة للكتب المقدسة في المجامع مع ترجمة شفوية إلى اللغة الآرامية، لأن العبرية لـم تعد شائعة، فكان لا بد من تقديم ترجمة في اللغة الشائعة. وكان الشخص الذي يترجم يسمَّى "ميتورجمان" (أي مترجم). وكانت الفقرة المترجمة تعرف "بالترجوم".

        ولـم يكن يُسمح للمترجم أن يقرأ ترجمته من درج مكتوب، لئلا يُظن أنه يقرأ من النص الأصلي. ولكي يضمنوا دقة الترجمة، لـم يكن مسموحاً أن يترجم في المرة الواحدة أكثر من آية واحدة من الأسفار الخمسة أو ثلاث آيات من أسفار الأنبياء، وبعد مضي وقت كُتبت هذه الترجمات في مخطوطات (3).

        وهذه الترجمات دليل على صدق الأصل العبري وبقائه كما كان في زمن عمل الترجمة. فلا زال الأصل والترجمة موجودين عندنا اليوم.

5ـ اقتباسات من العهد القديم :

        تمت كتابة "المشنا" عام 200 م، ومعناها "التفسير" وهي تحوي كتابات تقاليد اليهود وتفسيرهم للشريعة الشفوية. وكانت بالعبرية ويعتبرونها "الناموس الثاني". والاقتباسات التي بها من التوراة تماثل النسخة المازورية، وهكذا تشهد لصحتها.

        وهناك "الجيمارا" (الفلسطينية عام 200 م، والبابلية عام 500 م) - وهي تفاسير مكتوبة بالآرامية، مبنية على "المشنا" وما بها من اقتباسات من التوراة يؤكد صحة النص المازوري.

        والمشنا والجيمارا البابلية يكوّنان ما يسمى بالتلمود البابلي، كما أن المشنا والجيمارا الفلسطينية يكوّنان التلمود الفلسطيني.

        وهناك "المدراش" (كُتب ما بين 100 ق.م. - 300 م) وهو دراسات عقائدية في العهد القديم، وما به من اقتباسات يتفق مع النص المازوري.

        وهناك "الهكسابلا" (أي السداسية) (185 - 254 م) قام بها أوريجانوس وتحتوي على ستة أعمدة أولها الترجمة السبعينية، ثم ترجمة أكويلا، ثم ترجمة تيوداتيان، ثم ترجمة سيماخوس، ثم النص العبري (في حروف عبرية) ثم النص العبري في حروف يونانية. وما جاء بها مع ما جاء في كتابات فيلو ويوسيفوس وما وُجِد من مخطوطات خربة قمران يكشف لنا أنهم جميعاً اقتبسوا من نص يماثل النص المازوري، وذلك فيما بين 40 - 100 م.

ثانيـــاً

براهين داخلية على صحة الكتاب المقدس

1ـ الشك في جانب المخطوطة :

        لا زال النقَّاد الأدبيون اليوم يتبعون قول الفيلسوف أرسطو إن الشك يجب أن يكون في جانب المخطوطة، وليس في جانب الناقد الذي يدّعي ضدها بغير حق! (18) ويقول مونتجومري: "وعلى هذا فإن الناقد يجب أن يصغي إلى المخطوطة التي يدرسها، ولا يفترض فيها الخطأ أو التحريف إلا إذا ناقض الكاتب نفسه أو ذكر وقائع غير صحيحة" (18).

        ويقول روبرت هورن: "متى يمكن أن نقول عن صعوبة إنها حجة ضد عقيدة؟ إن هذا يتطلَّب ما هو أكثر من مجرد التناقض الظاهري، إذ يجب أن ندرك: أولاً - أننا فهمنا ما نقرأه تماماً، وفهمنا استعمال الكلمات والأرقام. وثانياً - يجب أن نلمّ بكل المعرفة عن موضوع الجدل. وثالثاً - أننا وصلنا للدرجة التي لا نحتاج معها إلى مزيد من نور على الموضوع، وأننا أكملنا كل البحوث عن النص وعلم الحفريات .. الخ".

        ويمضي هورن ليقول: "إن الصعوبات التي تقابلنا ليست حجة كافية للحكم ضد المخطوطة، فإن المشكلات ليست بالضرورة أخطاء. ونحن بذلك لا نستهين بالصعاب، ولكننا نضعها في إطارها الصحيح. إن الصعوبات تدفعنا للمزيد من البحث. لا يمكن أن نقول: هنا غلطة بالتأكيد حتى نصل إلى المرحلة التي نقول فيها إننا عرفنا كل ما يلزم عن موضوع ما. ومن الواضح أن صعوبات كثيرة انتهت بعد مزيد من الدرس والمعرفة وبخاصة منذ بداية القرن الحالي" (19).

وعلى هذا فليس من الصائب أن نحكم ضد حقائق في الكتاب المقدس بأنها أخطاء، حتى ندرس موضوعها دراسة كافية تنفي كل جهل !

2ـ المراجع أساسية وقَــيّمة :

        الذين كتبوا الكتب كانوا شهود عيان:

        لوقا 1:1-4 "إذ كان كثيرون قد أخذوا بتأليف قصة في الأمور المتيقَّنة عندنا، كما سلّمها إلينا الذين كانوا منذ البدء معاينين وخدّامًا للكلمة - رأيت أنا أيضاً إذ تتبَّعتُ كلّ شيءٍ من الأول بتدقيق، أن أكتب على التوالي إليك    أيها العزيز ثاوفيلس، لتعرف صحّة الكلام الذي عُلِّمتَ به".

        2 بطرس 16:1 "لأننا لـم نتبع خرافات مصنَّعة إذ عرَّفناكم بقوة ربنا يسوع المسيح ومجيئه، بل قد كُنا معاينين عظمته".

        1 يوحنا 3:1 "الذي رأيناه وسمعناه نخبركم به لكي يكون لكم شركة معنا. أما شركتنا نحن فهي مع الآب ومع ابنه يسوع المسيح".

        أعمال 22:2 "يسوع الناصري رجل قد تبرهن لكم من قِبَل اللّه بقوات وعجائب وآيات صنعها اللّه بيده في وسطكم، كما أنتم أيضًا تعلَمون".

يوحنا 35:19 "والذي عاين شهد، وشهادته حق، وهو يعْلَم أنه يقول       الحق لتؤمنوا أنتم".

        لوقا 1:3 "وفي السنة الخامسة عشرة من سلطنة طيباريوس قيصر، إذ  كان بيلاطس البنطي والياً على اليهودية، وهيرودس رئيس ربع على الجليل، وفيلبس أخوه رئيس ربع على أيطورية وكورة تراخونيتس، وليسانيوس رئيس ربع على الأبلية".

        أعمال 24:26-26 "وبينما هو يحتجّ بهذا قال فستـوس بصـوت عظيـم:

أنت تهذي يا بولس! الكتب الكثيرة تحوّلك إلى الهذيان. فقال: لستُ أهذي   أيها العزيز فستوس، بل أنطق بكلمات الصدق والصحو، لأنه من جهة هذه الأمور، عالـم المَلِك الذي أكلمه جهاراً، إذ أنا لست أصدّق أن يخفى عليه شيء من ذلك، لأن هذا لـم يُفعل في زاوية!".

        ويقول بروس أستاذ النقد الكتابي بجامعة مانشستر: "لقد عرف الكارزون الأوَّلون بالإنجيل قيمة شهادة العيان، فمضوا يقولون إنهم "يشهدون بما رأوه" تأكيدا لأقوالهم. ولـم يكن من السهل على أحد أن يضيف شيئاً على ما قاله المسيح أو فَعَله حقيقة، فقد كان عدد كبير من التلاميذ ومن شهود العيان موجودين عندئذ، وهم يذكرون كل ما حدث".

        ولقد كان المسيحيون الأوَّلون يدققون في التمييز بين ما قاله يسوع فعلاً، وبين ما يرونه هم أو يفتكرونه. فمثلاً عندما يناقش بولس مسألة الزواج في كورنثوس الأولى الأصحاح السابع يفرّق بين نصيحته الشخصية وبين رأي الرب فيقول: "أقول أنا، لا الرب" ويقول: "فأوصيهم لا أنا بل الرب".

        ولـم يعتمد التلاميذ على شهود العيان وحدهم، بل كان هناك آخرون يعرفون أحداث خدمة يسوع وموته، وكان الوعّاظ الإنجيليون الأولون يذكّرون السامعين بما سبق وعرفوه: "عجائب وآيات صنعها في وسطكم" (أعمال 22:2). ولو أن الوعاظ انحرفوا أقل انحراف عن الحقائق في أي موقف، لواجههم السامعون المعادون لهم بالتصحيح والمقاومة (15).

3ـ المراجع قديمة وأصلية :

        يعتبر العلماء العهد الجديد كتاباً قديماً أصلياً يرجع إلى القرن الأول الميلادي (18).

        رسائل بولس بين أعوام 50 - 66 م.

        إنجيل مرقس 50 - 60 م.

        إنجيل متى 70 - 80 م.

        إنجيل لوقا وأعمال الرسل أوائل الستينات م. وهناك برهان قوي على أن لوقا كتبهما.

        إنجيل يوحنا 80 - 100 م.

        ويقول كنيون إنه من المؤكد أن إنجيل يوحنا كُتب قبل نهاية القرن الأول الميلادي. ويقول نلسون جلويك، وهو حجّة في ميدانه، إننا نقدر أن نقول بتأكيد، على أساس علمي متين، إن كل كتب العهد الجديد كُتبت قبل عام   80 م. وإن كل سفر من العهد الجديد كتبه شخص يهودي تمّت معموديته للمسيحية فيما بين عام 40 و 80 م (20). والأرجح فيما بين 50 - 75 م.

ثالثــاً

براهين خارجية على صحة الكتاب المقدس

        هل المعلومات التاريخية الأخرى تؤيّد أو تعارض ما جاء في مخطوطات الكتاب المقدس؟ وأي مراجع أخرى من خارج مخطوطات الكتاب المقدس تسند صحة الكتاب؟

        ونقدّم هنا رأي بعض الكتّاب في ذلك:

        1ـ يوسابيوس - نقل كتابات بابياس أسقف هيرابوليس (130 م) التي استقاها بابياس من الرسول يوحنا، والتي تقول:

        "كان يوحنا الشيخ يقول: "مرقس مترجم بطرس سجّل بدقة كل ما قاله بطرس عما فعله يسوع أو علَّم به، ولكن بدون ترتيب تاريخي، لأن مرقس لـم يكن سامعاً أو مصاحباً للمسيح، ولكنه رافق بطرس بعد ذلك. وقد راجع بطرس كتابات مرقس وأقرَّها، دون أن تكون تجميعاً كاملاً لتعاليم المسيح. وهكذا فإن مرقس لـم يخطئ وهو يسجل عن بطرس ما ذكره، دون أن يحذف شيئا مما سمعه، ودون أن يضيف إليه شيئاً غير صحيح".

        2ـ ويقول بابياس عن إنجيل متى: "سجّل متى الأقوال باللغة الآرامية".

        3ـ إيريناوس، أسقف ليون (180 م) وهو تلميذ بوليكاربوس أسقف سميرنا الذي استشهد عام 156 م والذي كان بدوره تلميذاً للبشير يوحنا، وقد كان ايريناوس سبباً في إيمان كل أهل ليون، وارسل كارزين إلى كل أجزاء أوروبا الوثنية.

        وقد كتب إيريناوس في دفاعه الثالث ضـد الهرطقـات، يقـول، "إن أساس الأناجيل قوي حتى أن الهراطقة أنفسهم يشهدون لصحتها، ويحاولون منها أن يثبتوا عقائدهم الخاطئة".

        ويمضي ايريناوس ليقول: "وكما أن للعالَم أربعة أركان وأربعة رياح، وكما انتشرت المسيحية في كل الأرض، وكما أن الإنجيل هو عمود الكنيسة الأساسي ونسمة حياتها، فإنه من الواجب أن تكون له أربعة أعمدة تبعث الخلود في كل جهة، وتُضرم الحياة الجديدة في البشر. وهكذا فإن "الكلمة" مهندس كل شيء الجالس فوق الكروبيم والضابط لكل شيء، بعد أن أظهر نفسه للناس، أعطى الأناجيل في أشكالها الأربعة، لكنها مرتبطة بالروح الواحد".

        ثم يكتب: "نشر متّى إنجيله وسط اليهود بلغتهم، بينما كان بطرس وبولس يكرزان بالإنجيل في روما ليؤسسا الكنيسة هناك. وبعد موتهما (يقول التقليد إنه حدث في حكم نيرون عام 64 م) سلّم مرقس تلميذ بطرس ومترجمه، إنجيله مسجلاً به ما كان يكرز به. أما لوقا (تابع بولس) فقد سجل في كتاب ما كان معلّمه يكرز به.

        ثم أن يوحنا تلميذ الرب والذي يتكئ على صدره (يوحنا 25:13، 20:21) سجلّ إنجيله بينما كان في أفسس في آسيا".

        4ـ ويقول السير وليم رمزي: "لا يُعلَى على تأْريخ لوقا من جهة صحته ودقته".

        5ـ ويستخدم أكليمندس الروماني (95 م) الكتب المقدسة باعتبارها صادقة يُعتمَد عليها.

        6ـ أغناطيوس (70 - 110 م) أسقف أنطاكية الذي استشهد بسبب إيمانه، وكان يعرف كل الرسل، وكان تلميذاً لبوليكاربوس، تلميذ يوحنا، قال: "أفضّل أن أموت لأجل المسيح من أن أملك العالـم كله. اتركوني للوحوش حتى

أصبح شريكاً مع الرب". وقد ألقي للوحوش في الكوليزيوم في روما. وقد كتب رسائله خلال رحلته من أنطاكية إلى روما حيث استشهد.

        وقد شهد أغناطيوس للأسفار المقدسة، إذ بنى إيمانه عليها. وكان لديه من المصادر ما يتأكد به من صحة النصوص المقدسة ويقبل الموت شهيداً للحق الذي جاء بها (21).

        7- بوليكاربوس (70 - 156 م) تلميذ يوحنا الذي استُشهد في السادسة والثمانين من عمره بسبب ولائه الكامل للمسيح وللكتاب المقدس.   وكان استشهاده تأكيداً منه للحق الذي آمن به، ونحو 155 م أثناء حكم أنطونيوس بيوس، جاء اضطهاد على سميرنا، واستشهد عدد من أعضاء كنيسته، وعُرف عنه أنه قائد الكنيسة، فحُكم عليه بالموت، وعندما طَلَب منه الحاكم التراجع عن إيمانه لينجو بحياته قال: "لقد خدمته 86 سنة لـم يخطئ خلالها إليَّ، فكيف أخطئ في حق ملكي الذي خلّصني". فأحرقوه. ولا بد أن ثقته بالحق   الذي عرفه من مصادره الأولى، هي التي جعلته يموت لأجله (21).

        8- فلافيوس يوسيفوس المؤرخ اليهودي.

        الفرق بين ما يقوله يوسيفوس وما يقوله العهد الجديد عن معمودية يوحنا المعمدان (مرقس 4:1) هو أنه لا يقول إنها كانت معمودية لمغفرة الخطايا. كما يقول إن موت المعمدان كان لأسباب سياسية وليس بسبب توبيخ الملك على زواجه من امرأة أخيه. ويقول بروس إنه من المحتمل أن هيرودس رأى أن يقتل عصفورين بحجر واحد بسَجْن يوحنا. ويقول بروس إن العهد الجديد يهتم بالنواحي التاريخية، كما أن رواية العهد الجديد أقدم، وعليه فإنها أصحّ. ولكن الإطار العام لتاريخ يوسيفوس يؤيد الأناجيل (15).

        ويقول يوسيفوس عن المعمدان: "ظن بعض اليهود أن اللّه هو الذي حطـم

جيش هيرودس انتقاماً ليوحنا الملقب بالمعمدان الذي قتله هيرودس رغم صلاحه، فقد كان يحضّ اليهود على الفضائل، وأن يكونوا بارين بعضهم ببعض، وأتقياء أمام اللّه، كما كان يدعوهم للمعمودية. وكان المعمدان يعلّم أن المعمودية مقبولة عند اللّه، لا لمغفرة الخطايا بل لتطهير الجسد، إن كانت النفس قد تطهَّرت من قبل ذلك بالبرّ. وعندما اجتمع كثيرون حوله (لأنه كان يجتذبهم بكلامه) خاف هيرودس من سلطانه على الناس، لئلا يثير شغباً، لأن الناس كانوا يطيعون مشورته في كل شيء، فرأى من الأفضل أن يقبض عليه ويقتله قبل أن يُحدِث ثورة! وبسبب شك هيرودس فيه أرسله مسلسلاً إلى حصن "ماكاروس" حيث قتله. واعتقد اليهود أن اللّه أهلك الجيش انتقاماً ليوحنا، لأن اللّه أراد أن يجلب الشر على هيرودس" (15).

        9- تاتيان (170 م) مسيحي أشوري كتب الدياطسَّرون الذي بيَّن فيه اتفاق البشيرين الاربعة.

رابعــــاً

براهين من علم الحفريات والآثار

        قال عالِم الآثار اليهودي نلسون جلويك: "لـم يحدث أي اكتشاف أثري واحد ناقض ما جاء في الكتاب المقدس. إن التاريخ الكتابي صحيح تماماً بدرجة مذهلة، كما تشهد بذلك الحفريات والآثار" (7).

        ويقول وليم أولبرايت أحد عظماء علماء الحفريات: "لا شك أن علم الآثار القديمة قد أكد صحة تاريخ العهد القديم، فانهدمت الشكوك التي قامت خلال القرنين الثامن عشر والتاسع عشر في الكتاب المقدس، بعد أن أثبتت الاكتشافات - الواحد بعد الآخر - دقة التفاصيل الكثيرة التي تؤكد قيمة الكتاب المقدس كمرجع تاريخي" (22).

        ويقول الأستاذ رولي: "إن موافقة علماء الآثار على صحة التاريخ الكتابي لا ترجع إلى توفر النظرة المحافظة عند العلماء المعاصرين، بل إلى كثرة الأدلة التي بين أيديهم على صحة تاريخ الكتاب المقدس"  23).

        ويقول ميلر باروز من جامعة ييل: "لقد محقت الاكتشافات الأثرية نظريات النقد الحديث، فقد أثبتت مراراً كثيرة، أن هذه النظريات ترتكز على افتراضات باطلة ونظرات تاريخية مصطنعة وغير صحيحة، وهذا أمر جدير بكل اعتبار".

        ويقول بروس: "إن المواضع التي كان يُتَّهم فيها لوقا بعدم الدقة، ثبتت  بعد ذلك دقتها بأدلة خارجية، مما يجعل من الحق أن نقول إن علم الآثار قد أكّد صحة العهد الجديد".

        ويقول مرل أنجر (مؤلف كتاب علم الآثار والعهد الجديد): لقد كشفت الحفريات عن أمم قديمة جاء ذكرها في العهد القديم، وأظهرت تاريخ أشخاص مهمّين، وملأت فراغات كثيرة مما ساعد على فهم التاريخ الكتابي" (24).

        إن علم الآثار القديمة قد بعث احتراماً كاملاً للكتاب المقدس كوثيقة تاريخية صحيحة، وظهر أن شكوك بعض العلماء في الكتاب المقدس راجعة إلى تحيُّزهم ضد المعجزات، وليس التقييم الدقيق للتاريخ الكتابي!.

        لقد رأينا كيف عاونت المخطوطات القديمة، التي اكتشفها علماء الحفريات والآثار، على التأكد من سلامة النصوص الموجودة معنا للكتاب المقدس، وأنها نُقلت إلينا عبر القرون بكل دقة وأمانة. كما أن التواريخ المسجلة في حفريات فلسطين أكَّدت سلامة القصص الكتابية، مما جعلها موضع الاحترام المتزايد عند هؤلاء العلماء.

        ويقول السير فردريك كنيون: "لقد وُجِّهت انتقادات حادة إلى جزء من تاريخ العهد القديم، خلال النصف الثاني من القرن التاسع عشر، ولكن علم الآثار القديمة أعاد إلى هذا الجزء سلطانه، كما كشف الخلفية التاريخية له. ولـم يصل علم الآثار إلى نهاية اكتشافاته، ولكن النتائج التي وصل إليها تؤكد ما يقوله الكتاب المقدس، إن الكتاب المقدس يستفيد من زيادة معرفة علماء الآثار القديمة!" (25).

        ويقول برنارد رام: "لقد أعطانا علم الآثار القديمة برهاناً على صحة النسخة المازورية. فهناك ما يُعرف بـ "ختم إرميا" (وهو ختم يختمون به على البيتومين الذي يغلقون به الأواني التي يحفظون بها الخمور) يرجع تاريخه إلى القرن الأول أو الثاني الميلادي، وعليه ما جاء في إرميا 11:48. وهذا يؤكد لنا صحة النص المازوري. وهذا الختم يؤكد لنا صحة النصّ الذي انتقل إلينا من وقت عمل الختم إلى وقت كتابة المخطوطات. فضلاً عن أن بردية روبرت التي ترجع إلى القرن الثاني ق.م. وبردية ناش التي يقول أولبرايت إنها ترجع إلى عام 100 ق.م. تؤكد صحة النص المازوري" (26).

        ويقول الدكتور أولبرايت: "إن النور الدافق (الصادر من الاكتشافات في أطلال مدينة يوجاريت) والذي ألقى بضيائه على الشِّعر العبري القديم، يؤكد لنا أن نشأة الشِّعر الكتابي قديمة، وأن نقله تـمَّ بأمانة وصدق" (27).

        ويقول: "حتى وقت قريب كان اتجاه المؤرخين الكتابيين أن آباء سفر التكوين جاؤوا من خلق خيال الكتبة العبرانيين بعد انقسام مملكة سليمان، وأنهم لـم يكونوا أشخاصاً حقيقيين.

        ولكن هذا كله قد تغيَّر، فإن الاكتشافات والحفريات منذ عام 1925 أثبتت صدق قصص التكوين كوقائع تاريخية، فإن آباء العبرانيين كانوا من البدو الذين سكنوا عبر الأردن وسوريا وحوض الفرات وشمال الجزيرة العربية في القرون الأخيرة من الألف الثانية ق.م.، والقرون الأولى من الألف الأولى" (28).

1ـ نماذج من حفريات تبرهن صحة العهد القديم :

        (أ) يقول سفر التكوين أن أصل بني إسرائيل من بلاد ما بين النهرين، وقد برهنت الحفريات صحة هذا. ويقول أولبرايت: "لا شك أن التقليد العبري  صادق في أن الآباء جاءوا من وادي بالخ في شمال غرب بلاد ما بين النهرين". ويجيء البرهان من تتبع آثار حركة هؤلاء الناس في خروجهم من بلاد ما بين النهرين (28).

        (ب) يقول سفر التكوين إنه قبل بناء برج بابل كانت الأرض تتكلم لغة واحدة (تكوين 1:11). وبعد بناء البرج بلبل اللّه لسان كل الأرض (تكوين 9:11). ويتَّفق كثيرون من علماء  اللغات حالياً على صحة هذه النظرية. ويقول ألفريدو ترومبيتي إنه يستطيع ان يتابع ويبرهن الأصل المشترك لكل اللغات. ويذهب أوتوياسبرسن إلى أبعد من ذلك ويقول إن اللغة جاءت للإنسان الأول من اللّه (29).

        (ج) في سلسلة نسب عيسو جاء ذكر الحوريين (تكوين 20:36) وقد جاء وقت ظن فيه الناس أن الحوريين كانوا سكان الكهوف، لقرب الشَّبه بين كلمة "حوريين" وكلمة "كهف" العبرية. ولكن الحفريات الحديثة أظهرت أنهم كانوا جماعة من المحاربين عاشوا في الشرق الأوسط في عصر الآباء الأولين.

        (د) خلال الحفريات في أريحا (1930 - 1936 م) وجد العالِم "جارستانج" شيئا غريبا جعله يحرر وثيقة يوقّع عليها هو واثنان من العلماء زملائه، يقول فيها: "لا شك في حقيقة أن أسوار أريحا سقطت تماماً في مكانها إلى الخارج، حتى يتمكن المهاجمون من أن يصعدوا فوقها ويدخلوا أريحا.   والغريب في ذلك أن أسوار المدن لا تسقط عادة إلى الخارج بل تسقط إلى الداخل، ولكن أسوار أريحا سقطت في مكانها إلى الخارج كما جاء في (يشوع 20:6 و22).. "فسقط السور في مكانه وصعد الشعب إلى المدينة كل رجل  مع وجهه وأخذوا المدينة" (30).

        (هـ) نجد أن سلسلة نسب إبراهيم صحيحة تماماً، ولكن ثار التساؤل:  إن كانت هذه أسماء أشخاص أو أسماء مدن قديمة. والكتاب المقدس يقول إن إبراهيم شخص وإنه تاريخي. ويقول باروز: "تؤكد كل الحقائق أن إبراهيم شخص تاريخي عاش فعلاً. ويجيء اسمه في آثار بابل كاسم شخص كان يعيش في تلك الحقبة التي ينتمي إبراهيم إليها" (31).

        (و) ومع أن رجال الحفريات لـم يكتشفوا بعد الأدلة على صحة كل قصص آباء العهد القديم، إلا أن العادات الاجتماعية المذكورة في القصص مناسبة تماماً للحقبة والموقع اللذين يقول كتاب المقدس إنهما حدثت فيهمـا. وقد جاء الكثير من البراهين على صحة هذا من حفريات نوزو وماري، كما أُلقي الكثير من الضوء على اللغة والشعر العبري من حفريات يوجاريت. لقد وُجدت الشرائع الموسوية في شرائع الحثيين والأشوريين والسومريين والأشونيين. وبمقارنة حياة العبرانيين مع حياة أولئك الشعوب، نرى أن العبرانيين قدّموا معونة ضخمة للعالـم.

        لقد قادت هذه الاكتشافات جماعة العلماء - بغض النظر عن إيمانهم الديني - إلى تأكيد صحة الطبيعة التاريخية لقصص الآباء العبرانيين القدماء (مرجعا 23، 27).

        (ز) قال الناقد المشهور يوليوس ولهاوزن في القرن التاسع عشر عن القول بأن المرحضة صُنعت من المرايا النحاسية أمر دخيل على القصة القديمة، وعليه فإنه يُعتقَد أن قصة بناء خيمة الاجتماع كُتبت بعد عصر موسى بكثير! ولـم يكن عند ولهاوزن برهان على أن المرايا المعدنية لـم تصنع إلا في عام 500 ق.م.، أي بعد عصر موسى بكثير. ولكن الحفريات أظهرت وجود مرايا برونزية في عصر الإمبراطورية في مصر (1500 - 1200 ق.م.)، وهي الحقبة التي عاش فيها موسى (1500 - 1400 ق.م.) (29).

        (ح) ويقول هنري موريس في كتابه "الكتاب المقدس والعلم الحديث": لا زالت هناك مشكلات بلا حل، ونحن نتوقع أن تجيء حفريات جديدة تُزيلها، كما أزالت الحفريات التي تمت الكثير من اللبس. وفي كل ما تـمَّ كشفه من حفريات لـم يحدث مرة واحدة أن ما اكتُشف تعارض مع الكتاب المقدس" 32).

2- نماذج من حفريات تبرهن صحة العهد الجديد :

        (أ) مكانة لوقا كمؤرخ لا يرقى إليها الشك. ويقول أنجر إن علم الآثار القديمة أثبت صحة قصة الأناجيل وعلى الأخص إنجيل لوقا. ويقول: "هناك  اتفـاق عـام اليـوم على أن سفـر الأعمال من قلم لوقا وأنه يرجع للقرن الأول م، وأنه بقلم مؤرخ صادق دقيق في مراجعِهِ" (24).

        يُعتبر السير وليم رمزي أحد عظماء رجال الآثار قاطبة، وقد تتلمذ على المدرسة التاريخية الألمانية في منتصف القرن التاسع عشر. ولذلك فقد اعتقد أن سفر الأعمال كُتب في منتصف القرن الثاني م. وقد مضى يبحث عن أدلة على هذه الفكرة، ولكن بحوثه جعلته ينقض هذه الفكرة تماماً، فكتب يقول : "لقد بدأتُ بحثي بدون تحيُّز أو اتجاه للفكرة التي انتهيت إليها. بل بالعكس: لقد بدأت وأنا ضد الفكرة، لأن المدرسة الألمانية التي انتميتُ إليها كانت ضدها. ولـم يكن في نيتي مطلقاً أن أفحص هذا الموضوع. ولكن بعد بحث دقيق وجدت أن سفر  الأعمال مرجع عظيم المعالـم الجغرافية والتاريخية للمجتمع في آسيا الصغرى، ولقد وجدت أن المعلومات الواردة فيه صحيحة بصورة مذهلة.. ومع أنني - في الحقيقة - بدأت بحثي وفكرتي الراسخة أنه كُتب في القرن الثاني، ولا يمكن الاعتماد عليه فيما يختص بتاريخ القرن الأول، إلا أنني خرجت من أبحاثي بهذه النتيجة: "وهي أنه مرجع أكيد استطاع أن يحل لي الكثير من الغموض والمشكلات".

        ويُظهِر رمزي احتراماً كبيراً للوقا كمؤرخ، فيقول: "لوقا مؤرخ من الدرجة الأولى، لا لأن عباراته صادقة تاريخياً فحسب، لكن لأنه يملك حاسة تاريخية حقيقية، فإنه يركز على الفكرة والخطة التي تحكم تطوُّر التاريخ، ويزن أهمية كل حادثة يوردها. وهو يعالج كل الحوادث الهامة مظهراً طبيعتها الحقيقية باستفاضة، بينما يعالج بسرعة، أو يغفل تماماً، ما لا قيمة له بالنسبة لقصده. وباختصار يجب اعتبار هذا الكاتب ضمن عظماء المؤرخين" (34).

        ولقد ظن البعض أن لوقا أخطأ وهو يصوِّر الأحداث التي أحاطت بولادة المسيح (لوقا 1:2-3) قائلين إنه لـم يحدث اكتتاب (تعداد) وإن كيرينيوس لـم يكن والياً على سورية في ذلك الوقت، وإنه لـم يكن هناك داعٍ لأن يذهب كل واحد إلى مدينته.

        ولكننا اليوم نعلَم، بدون أي شك، أن الرومان كانوا بانتظام يعملون إحصاءً لدافعي الضرائب كما كانوا يعملون تعداداً عاماً كل 14 سنة. وقد بدأ هذا النظام في عهد الإمبراطور أغسطس، وتـم أول تعداد في عام 23-22 ق.م. أو 8-9 ق.م. وتكون إشارة لوقا للتعداد الأخير.

        ووجدنا دليلاً على أن كيرينيوس كان والياً على سورية عام 7 ق.م.، وذلك من كتابة وُجدت في أنطاكية. ومن هذا نرى أنه كان حاكماً مرتين. مرة في سنة 7 ق.م. ومرة في سنة 6 م (وهو التاريخ الذي يذكره المؤرخ يوسيفوس) (35).

        ووُجدَت بردية في مصر تذكر كيفية إجراء التعداد، تقول: "بسبب  التعداد القادم يجب على كل من يقيم بعيداً عن بيته لأي سبب أن يجهّز نفسه للعودة إلى موطنه الأصلي وحكومته لاستكمال تسجيل العائلات في هذا التعداد ولتعود الأرض المزروعة إلى أصحابها".

        كما ظن رجال الحفريات أن لوقا أخطأ عندما قال إن لسترة ودربة مدينتان في ليكأونية، ولكن إيقونية ليست كذلك (أعمال 6:14). وقد بنوا افتراضهم هذا على كتابات بعض الرومان مثل شيشرون الذين قالوا إن إيقونية في مقاطعة ليكأونية. واستنتجوا أن سفر الأعمال لا يُعتمد عليه. لكن في سنة 1910 وجد السير وليم رمزي شاهداً اثرياً على أن إيقونية كانت مدينة في مقاطعة فريجية. وقد برهنت الحفريات التالية صدق ذلك (29).

        ويقول لوقا إن ليسانيوس كان رئيس ربع (TETRARCH) على الأبلية (لوقا 1:3) في بدء خدمة يوحنا المعمدان عام 27م. وكان ليسانيوس الذي يعرفه المؤرخون قد قُتل عام 36 ق.م. لكن شاهداً وُجد بقرب دمشق يقول "معتوق ليسانيوس رئيس الرُّبع" ويرجع تاريخ الشاهد ما بين 14 و 29 م (36).

        وفي الرسالة إلى رومية المكتوبة في كورنثوس يقول بولس إن أراستس هو خازن المدينة (رومية 23:16). وعند الحفر في كورنثوس عام 1929 وُجد شاهد رخامي يقول: "أراستس المشرف على المباني العامة أرسى هذا على نفقته الخاصة".

        ويرجع تاريخ الشاهد إلى القرن الأول الميلادي، والأرجح أن أراستس هذا هو نفسه الذي ذكره بولس (15).

        وقد وُجد في كورنثوس شاهد رخامي آخر يقول: "مجمع العبرانيين"  ولعله كان على باب المجمع الذي حاجَّ فيه بولس (أعمال 4:18-7). وهناك شاهد آخر مكتوب عليه "الملحمة" التي ذكرها بولس  (1 كورنثوس 25:10).

        وكم نشكر علماء الحفريات الذين كشفوا معظم المدن القديمة التي وردت أسماؤها في سفر الأعمال. ونتيجة لذلك يمكن أن نتابع كل رحلات بولس.

        ويتحدث لوقا عن شغب جرى في أفسس، وعن "محفل" في مسرح المدينة (أعمال 23:19). وقد وُجدت هناك كتابة تتحدث عن تمثال أرطاميس (ديانا) الفضي الذي وُضع في المسرح خلال "المحفل". وقد وُجد أن المسرح (عند الحفر عنه) يسع 25 ألف شخص! (36).

        ويتحدث لوقا عن شغب آخر جرى في أورشليم لأن بولس أدخل أممياً إلى الهيكل (أعمال 28:21). وقد وُجدت كتابة باللغتين اليونانية واللاتينية تقول: "ممنوع دخول الأجانب عبر هذا الحاجز المحيط بالهيكل وما يتبع. وكل من يُقبَض عليه داخل الحاجز سيكون هو الجاني على نفسه بعقوبة الموت". وهذا أيضاً يبرهن ما قاله لوقا (36).

        وقد كان هناك شك في استخدام لوقا لبعض الكلمات، فهو يقول إن فيلبي جزء من مقاطعة مكدونية. ويستعمل لوقا كلمة يونانية هي “Meris” التي تعني جزءاً أو منطقة. وقد احتج هورث على استعمال لوقا لهذه الكلمة قائلاً إنها لا تعني "مقاطعة". ولكن الحفريات برهنت على أن هذه الكلمة تصف أقسام المقاطعة، وهكذا برهنت الحفريات على دقة لوقا (29).

        وقد استخدم لوقا كلمة "والي" (Proconsul) كلقب لغاليون (أعمال 12:18) وثبت أن هذا هو اللقب المضبوط كما جاء في كتابة تـمَّ اكتشافها في  دلفي جاء فيها: "لوسيوس جونيوس غاليون صديقي، ووالي أخائية" وهذه الكتابة نفسها (52 م) تعطينا التاريخ المضبوط لإقامة بولس في كورنثوس للكرازة مدة 18 شهراً، فقد تولى غاليون ولايته في أول يوليو (تموز)، واستمرت ولايته سنة واحدة، خدم خلالها بولس في كورنثوس (36).

        ويطلق لوقا على الحاكم في مالطة لقب "مقدَّم الجزيرة" (أي الرجل الأول فيها) (أعمال 7:28) وقد أظهرت الحفريات أن هذا كان لقب الحاكم فعلاً.

        ويسمِّي لوقا رجال الحكم المدني في تسالونيكي "الحاكم" Poltrach (أعمال 6:17). ولمّا لـم تكن هذه الكلمة موجودة في الكتابات القديمة، قيل إن لوقا أخطأ. ولكن وُجدت حوالي 19 كتابة بعد ذلك تستعمل هذا اللقب، خمس منها بالإشارة إلى تسالونيكي (36).

        وفي عام 1945 اكتُشفت عظْمتان في نواحي أورشليم عليهما كتابة بالجرافيت، قال مكتشفهما إنهما أول السجلات المسيحية، وكانتا في قبر كان مستعملاً قبل سنة 50 م. وعليهما كتـابـة تقـول Lesos iou and lesous Aloth ورسم لأربعة صلبان. ولعل الأولى صلاة لطلب العون من المسيح، والثانية صلاة لقيامة الشخص صاحب العظام (36).

        (ب) "البلاط" لمدة قرون لـم نجد سجلاً عن القاعة التي حوكم فيها يسوع، وهي المدعوَّة "جباثـا" أي البلاط (يوحنـا 13:19). وقـال الكثـيرون إن الكتاب أخطأ، فلم يوجد وقتها "بلاط"!

        ولكن الحفريات في فلسطين أظهرت أن "البلاط" كان في قلعة أنطونيا، مقر قيادة الجيش الروماني في أورشليم. وقد دُمرت قاعة البلاط عام 66-70 م خلال حصار أورشليم، وظلت مدفونة، حتى عندما أعيد بناء المدينة في عهد هارديان. ولـم تُكتشف إلا حديثاً (32).

        (ج) "بركة بيت حسدا" - لـم يكن هناك ما يدل على وجودها إلا في العهد الجديد. ولكنها وُجدت الآن في شمال شرق المدينة القديمة. وقد وَجد رجال الحفريات بقاياها في سنة 1888 م بالقرب من كنيسة القديسة حنة (36).

الخــــاتمة

        بعد أن حاولت زعزعة الثقة في الكتاب المقدس، باعتبار أنه كتاب لا يحق الاعتماد عليه، وصلت إلى نتيجة أن الكتاب المقدس وثيقة صحيحة تاريخياً صحة تامة. ولو أن أحداً قال إن الكتاب المقدس ليس موضع اعتماد، لوجب عليه أن يرفض كل وثيقة أدبية قديمة.

        ولكني أقابل مشكلة: هي قبول البعض للوثائق الأدبية القديمة، على أساس علمي، لكنهم يرفضون قبول الكتاب المقدس بناء على الأسس العلمية نفسها! وخليق بنا أن نستخدم ذات الأسس في فحص أية وثيقة سواء كانت دينية أم دنيوية!

        فإذا فعلنا هذا، فإنني متأكد أننا سنمسك الكتاب المقدس بيدنا قائلين "هذا كتاب صحيح تاريخياً، وجدير بكل ثقة!".

 

Text Box: Top
 


 

 

 

 

 



 

جميع الحقوق محفوظة : : حياة المحبة 2005- 2004