نجار وأعظم... بقلم جوش مكدويل

 

تـمهيد
الفصل الأول
الفصل الثاني
الفصل الثالث
الفصل الرابع
الفصل الخامس
الفصل السادس
الفصل السابع
الفصل الثامن
الفصل التاسع
الفصل العاشر
الفصل الحادي عشر
أجب على هذا السؤال
وأنت من تقول إني أنا؟

 

الفصل الأول

ما الذي يـميّز المسيح؟

كنت اتحدث مؤخراً الى مجموعة من الناس في لوس أنجلوس، ووجهت إليهم السؤال التالي، "من هو، في رأيكم، يسوع المسيح؟" أجابوا بأنه كان قائداً دينياً عظيماً. وانا اتفق مع هذا الرأي. يسوع المسيح كان قائداً دينياً عظيماً. لكني أعتقد أنه كان أكثر من ذلك بكثير.


الرجال والنساء عبر العصور انقسموا عند طرح هذا السؤال "من هو يسوع؟" فلِمَ كلُ هذا الخلاف حول شخص واحد؟ لماذا يسبب اسمه اكثر من أي إسم آخر كل هذا الضيق والغضب؟ لماذا عندما تتحدث عن اللـه لا يثور أحد، بينما يميل الناس الى قفل باب الحديث عندما تذكر إسم يسوع او انهم يتخذون موقف الدفاع؟ ذكرت اسم يسوع أمام سائق سيارة اجرة في لندن، فقال على الفور، "لا أحب النقاش في الدين، خاصة فيما يتعلق بيسوع."


كيف يختلف يسوع عن غيره من القادة الدينيين؟ لـم لا يتضايق الناس عند ذكر أسماء مثل بوذا وكنفوشيوس وغيرهما؟ يرجع السبب الى أن أيّاً من هؤلاء الأشخاص لـم يدّع بأنه اللـه، لكن يسوع قال ذلك عن نفسه. وهذا ما يميّزه عن غيره من القادة الدينيين.


لـم يمض وقت طويل حتى بدأ الذين عرفوا يسوع يدركون أنه كان يقول أشياء مذهلة عن نفسه. واصبح من الواضح ان اقواله عن نفسه تجعله اكثر من مجرد نبي ومعلـم. لـم يكن هنالك شك في أنه يدّعي الألوهية. كما قدّم نفسه على أنه الطريق الوحيد لإقامة علاقة مع اللـه والمصدر الوحيد للغفران، والطريق الوحيد للخلاص.

إن هذا الموضوع أشمل من أن يقبل به الكثيرون، وأضيق من أن يرغبوا في الإيمان به. غير أن المسألة ليست مسألة ما نريد أن نعتقده أو نؤمن به، بل بالأحرى "من هو يسوع حسب زعمه؟"
ماذا يخبرنا العهد الجديد حول هذا الأمر؟ إننا غالباً ما نسمع هذه العبارة تتردد "ألوهية المسيح" وهي تعني أن يسوع المسيح هو الـلـه.
يعطي أ. هـ. سترونج في كتابه "اللاهوت النظامي" تعريفاً للـه بقوله إنه "الروح اللامحدود الكامل الذي هو مصدر كل الأشياء وحافظها وغايتها." وهذا التعريف مقبول لدى كل المؤمنين بوجود إله واحد. وتعلّـم كل الديانات الموحدة بأن اللـه شخصي وأنه هو مهندس الكون وخالقه. وهو يحفظه ويحكمه الآن. ويضيف الموحّدون المسيحيون شيئاً الى التعريف السابق فيقولون: "وتجسد في يسوع المسيح."
إن يسوع المسيح في حقيقة الأمر إسم ولقب. واسم يسوع مشتق من الصيغة اليونانية لإسم يشوع التي تعني "اللـه ـ المخلص" أو "الرب يخلّص." ولقب المسيح مشتق من الكلمة اليونانية المقابلة للمسيّا (أو كلمة المشيخ العبرية ـ دانيال 26:9) وتعني "الشخص الممسوح" ويشتمل استعمال لقب "المسيح" على وظيفتين، وهما وظيفة الملك ووظيفة الكاهن.
ويؤكد لقبه على انه الكاهن والملك الموعود الذي تحدثت عنه نبوءات العهد القديم. ويشكل هذا التأكيد أحد الجوانب الجوهرية لإمتلاك فهم صحيح لفهمنا ليسوع وللمسيحية.
يقدم لنا العهد الجديد المسيح كاللـه بكل وضوح. إن الأسماء والألقاب التي يطلقها العهد الجديد على المسيح لا يمكن أن تنطبق إلاّ على اللـه. فهو يُدعى اللـه مثلاً في تيطس 13:2 "منتظرين الرجاء المبارك وظهور مجد اللـه العظيم ومخلصنا يسوع المسيح." قارنها مع يوحنا 1:1، عبرانيين 8:1، رومية 5:9، 1يوحنا 20:5-21.


ينسب الكتاب المقدس ليسوع صفات لا تصح نسبتها إلا الى اللـه. فهو يقدم لنا ككائن ذاتي الوجود (يوحنا 4:1، 6:14) وكلي الوجود (متى 20:28، 20:18) وكلّي العلم (يوحنا 16:4، 64:6، متى 22:17-27)، وكلي القدرة (رؤيا 8:1، لوقا 39:4-55،14:7، متى 26:8-27)، وممتلك للحياة الأبدية (1يوحنا 11:5-12،20؛يوحنا 4:1).
قَبِلَ يسوع المجد والعبادة اللذين لا يليقان إلاّ باللـه. قال يسوع في مواجهة له مع الشيطان. "مكتوب، للرب إلـهك تسجد، واياه وحده تعبد" (متى 10:4) غير أن يسوع تلقى العبادة كاللـه (متى33:14، 9:28). كما نجد أنه طالب أن يُعبد كاللـه (يوحنا23:5، قارنها مع عبرانيين 6:1، رؤيا 8:5-14).
كان معظم اتباع يسوع من اليهود الورعين الذين يؤمنون بإله واحد حقيقي. كانوا مؤمنين موحدّين حتى النخاع، غير انهم اعترفوا به كاللـه المتجّسد. 
وقد كان من الممكن ان يكون بولس أقل إستعداداً من غيره من اليهود بأن ينسب الألوهية لرجل من الناصرة ويعبده ويدعوه رباً، وذلك بسبب تربيته الدينية اليهودية المتشددة. لكن هذا هو ما فعله بولس بالضبط. فقد اعترف بحمل اللـه (يسوع) كاللـه عندما قال "احترزوا إذاً لأنفسكم ولجميع الرعية التي أقامكم الروح القدس فيها أساقفة لترعوا كنيسة اللـه التي اقتناها بدمه" اعمال28:20.
عندما سأل المسيح بطرس عمّن يكون أجاب: "انت هو المسيح ابن اللـه الحي" (متى 16:16). لـم يصحح يسوع الإستنتاج الذي توصل اليه بطرس ولكنه اعترف بصحته ومصدره "طوبى لك يا سمعان بن يونا لأن لحماً ودماً لـم يعلن لك، لكن ابي الذي في السماء." متى 17:16.

قالت مرثا، وهي تلميذة مقربة من تلاميذ يسوع، "أنا قد آمنت أنك أنت المسيح ابن اللـه" (يوحنا 27:11). ثم هنالك نثنائيل الذي لـم يكن يعتقد أنه يمكن أن يخرج شيء صالح من الناصرة. فقد اعترف للمسيح قائلا "أنت ابن اللـه. أنت ملك اسرائيل" (يوحنا 49:1).
صرخ استفانوس أثناء رجم اليهود له قائلاً "أيها الرب يسوع إقبل روحي!" (أعمال 59:7). يدعو كاتب الرسالة الى العبرانيين المسيح بأنه اللـه وذلك بقوله: "وأمّا عن الإبن كرسيك يا اللـه الى دهر الدهور" (عبرانيين 8:1). كما أعلن يوحنا المعمدان عن قدوم يسوع بقوله "ونزل عليه الروح القدس بهيئة جسمية مثل حمامة وكان صوت من السماء قائلاً: انت ابني الحبيب، بك سررت" (لوقا 22:3).
ولدينا ايضاً اعتراف توما المعروف "بالمتشكك." فقد كانت له عقلية كثيرين من خريجي الجامعات اليوم. قال "إن لـم أبصر في يديه أثر المسامير وأضع أصبعي في أثر المسامير وأضع يدي في جنبه لا أؤمن" (يوحنا 25:20). وانا أفهم موقف توما واتعاطف معه. فلسان حاله يقول "لا يحدث يومياً أن يقيم أحد نفسه من بين الأموات أو أن يدعي أنه اللـه المتجسد. ولـهذا فأنا أحتاج الى برهان".
وبعد ثـمانية أيام من قيام توما بعرض شكوكه حول يسوع امام التلاميذ الآخرين "جاء يسوع والابواب مغلّقة ووقف في الوسط وقال: سلام لكم، ثم قال لتوما: هات اصبعك الى هنا وابصر يديّ وهات يدك وضعها في جنبي ولا تكن غير مؤمن بل مؤمناً. اجاب توما وقال له: ربي وإلـهي! قال له يسوع: لأنك رأيتني يا توما آمنت. طوبى للذين آمنوا ولـم يروا" (يوحنا 26:20-29). لقد قبل يسوع اعتراف توما بأنه الله. ووبخه على عدم إيمانه، ولـم يوبخه على عبادته له.

وقد يعترض ناقد هنا بقوله إن كل هذه الآيات والإشارات صادرة من أشخاص عن المسيح وليست صادرة من المسيح نفسه. والإتهام الذي يظهر عادةً هنا هو أنه ربما أساء معاصروا المسيح فهمه كما نسيء فهمه اليوم، أي أن المسيح لـم يزعم أنه اللـه.
لكني أرى أن المسيح قال ذلك عن نفسه، وأنا أؤمن بأن الوهية المسيح مأخوذة مباشرة من صفحات العهد الجديد. والإشارات الى ذلك كثيرة ومعانيها واضحة. قام أحد رجال الأعمال بدراسة دقيقة للكتاب المقدس ليتأكد ما إذا كان المسيح قد قال انه اللـه، فخلص الى النتيجة التالية، "كل شخص يقرأ الكتاب المقدس دون أن يستنتج أن المسيح هو الله، يكون كالشخص الواقف في العراء في وضح النهار ويقول أنه لا يرى الشمس، وبذلك يكون هو والأعمى واحد."
نرى في إنجيل يوحنا مواجهة بين يسوع وبعض اليهود. ولقد كان سببها ان يسوع شفى رجلاً كسيحاً في السبت وطلب اليه أن يحمل سريره ويمشي. "ولـهذا كان اليهود يطردون يسوع ويطلبون ان يقتلوه لأنه عمل هذا في سبت. فأجابهم يسوع أبي يعمل حتى الآن وأنا أعمل. فمن أجل هذا كان اليهود يطلبون أكثر أن يقتلوه. لأنه لـم ينقض السبت فقط، بل قال ايضاً إن اللـه أبوه معادلاً نفسه باللـه" (يو 16:5-18).
وقد يعترض شخص بقوله "وماذا في ذلك؟ فأنا أستطيع أن اقول ايضاً: أبي يعمل حتى الآن، وأنا أعمل. فهذا لا يثبت شيئاً." عندما ندرس أي نص، فإن علينا أن نأخذ في اعتبارنا لغته وخلفيته الثقافية والأشخاص الذين وجه إليهم. والنص الذي امامنا يهودي، والأشخاص المخاطبون هم قادة اليهود الدينيون. دعونا نرى كيف فهم اليهود قبل ألفي عام أقوال يسوع. "فمن أجل هذا كان اليهود يطلبون أكثر أن يقتلوه، لأنه لـم ينقض السبت فقط، بل قال ايضاً إن اللـه ابوه معادلاً نفسه باللـه" (يوحنا 18:5). فلماذا رد الفعل القوي هذا؟
كان السبب وراء ذلك هو في أن يسوع قال "أبي" ولـم يقل "أبونا" ثم قال "يعمل حتى الآن." إن استخدام يسوع لـهذه الكلمات جعله مساوياً للـه، وعلى مستوى متكافىء معه في اعماله. لـم يكن اليهود يشيرون الى اللـه بقولهم "ابي." وحتى إذا فعلوا ذلك، فإنهم يربطون "ابي" بـ "الذي في السماء" غير أن يسوع لـم يفعل ذلك. لقد قال شيئاً عن نفسه لـم يكن بإمكان اليهود أن يسيئوا فهمه عندما أشار الى اللـه بقوله "ابي." كما قال المسيح، بأنه في الوقت الذي يعمل فيه اللـه، فإنه هو ايضاً يعمل. ومرةً أخرى فهم اليهود بانه كان يعني أنه ابن اللـه. وبناءً على هذه الأقوال، ازداد حقد اليهود عليه. كان هدفهم الأساسي هو السعي لاضطهاده، لكنهم بدأوا الآن يفكرون في قتله.
لـم يقل يسوع انه معادل للـه فحسب كأبيه، ولكنه أكد أيضاً أنه واحد مع الآب. جاء بعض قادة اليهود الدينيين الى يسوع أثناء احتفالات عيد التجديد بأورشليم، وسألوه عمّا إذا كان هو المسيح. أنهى يسوع اجابته عن سؤالهم بقوله "أنا والآب واحد" (يوحنا 30:10) "فتناول اليهود ايضاً حجارة ليرجموه. أجابهم يسوع: أعمالاً كثيرة حسنة أريتكم من عند أبي. بسبب أي عمل منها ترجمونني. أجابه اليهود قائلين: لن نرجمك لأجل عمل حسن بل لأجل تجديف. فإنك وانت إنسان تجعل نفسك إلـهاً" (يوحنا 31:10-33).
قد يتساءل البعض عن سبب رد فعل اليهود القوي لقول يسوع بأنه والآب واحد. إن دراسة هذا القول كما ورد في النص اليوناني مثير للإهتمام. يقول أ. ت. روبرتسون عالـم اللغة اليونانية بأن كلمة "واحد" كما إستخدمها يسوع هنا "محايدة" أي أنها لا تشير إلى المذكر، وهي لهذا لا تشير الى وحدة في نفس الشخص أو الهدف وانما وحدة في الجوهر أو الطبيعة. ثم يضيف روبرتسون: "يشكل هذا التصريح الصعب والمفهوم في نفس الوقت قمة إعلانات المسيح عن علاقته بالآب كإبن له. ولقد أثارت في الفريسيين غضباً لا يسيطر عليه." 
لقد كان واضحاً في أذهان كل من سمع تصريح يسوع بأنه وبدون أي شك أعلن أنه اللـه. وهكذا فإن ليون موريس عميد كلية رولي للاهوت في ملبورن يقول "لـم يكن بإمكان اليهود إلاّ أن يعتبروا تصريحات يسوع تجديفاً، ولـهذا فقد أرادوا أن يوقعوا الحكم عليه بأيديهم. نصّت الشريعة على أن عقاب المجدّف هو الرجم (لاويين16:24). لكن هؤلاء الناس كانوا نافذي الصبر بحيث لـم يريدوا أن يتبعوا الإجراءات الصحيحة التي يتطلبها الناموس في مثل هذه الحالة. لـم يعدّوا وثيقة إتهام رسمية في حقه لكي تتمكن السلطات من إتخاذ الإجراءات المناسبة. بسبب غضبهم كانوا مستعدين أن يكونوا الحكام والمنفذين للحكم في آنٍ واحد."
تعرض يسوع للتهديد بالرجم بسبب "التجديف." من المؤكد أن اليهود فهموا تعليمه، ولكن قد نسأل: هل توقفوا للنظر فيما إذا كانت أقواله صحيحة أم لا؟ 
تحدث يسوع دائماً عن نفسه على أنه واحد في الجوهر والطبيعة مع اللـه. وأكد بكل جرأة "لو عرفتموني لعرفتم أبي أيضاً" (يوحنا 19:8)؛ وقال "الذي يراني يرى الذي أرسلني" (يوحنا 45:12)؛ وقال "الذي يبغضني يبغض أبي أيضاً" (يوحنا 23:15) وقال "لكي يكرم الجميع الإبن كما يكرمون الآب. من لا يكرم الإبن لا يكرم الآب الذي أرسله" (يوحنا 23:5). تشير هذه الآيات وغيرها الى أن يسوع نظر الى نفسه على أنه اكثر من مجرد إنسان، بل إنه كان ينظر الى نفسه على أنه مساوٍ للـه. أمّا الذين يقولون بأن يسوع لـم يكن إلا إنساناً ذا علاقة أكثر حميمية مع اللـه منّا، فإن عليهم أن يفكروا في قول يسوع "لكي يكرم الجميع الإبن كما يكرمون الآب. من لا يكرم الإبن لا يكرم الآب الذي أرسله."
بينما كنت ألقي محاضرة في قسم الآداب في جامعة فرجينيا الغربية، قاطعني أحد الأساتذة قائلاً بأن الإنجيل الوحيد الذي أعلن فيه المسيح بأنه اللـه هو إنجيل يوحنا، وقد كان آخر الأناجيل التي دونت. وثـم أكد بأن إنجيل مرقس، وهو أول إنجيل كُتب، لـم يذكر ولو مرة واحدة أن يسوع قال أنه اللـه. وكان من الواضح أن هذا الأستاذ لـم يقرأ إنجيل مرقس، أو أنه لـم ينتبه لما قرأ.
وللإجابة على تعليقه، فتحت إنجيل مرقس. حيث صرح المسيح أنه قادر على مغفرة الخطايا. "فلما رأى يسوع إيمانهم، قال للمفلوج: يا بني مغفورة لك خطاياك" (مرقس 2:5؛ أنظر أيضاً لوقا 48:7-50). إن مغفرة الخطايا حسب الناموس اليهودي أمر مقصور على اللـه وحده، ويوضح ذلك إشعياء 25:43. لـهذا قال الكتبة "لماذا يتكلم هذا هكذا بتجاديف. من يقدر أن يغفر خطايا إلاّ اللـه وحده" (مرقس 7:2). فسأل يسوع "أيّما أيسر أن يقال للمفلوج مغفورة لك خطاياك أم أن يقال قم واحمل سريرك وامشِ." (مرقس 9:2).
يقول ويكلف في تعليقه على هذه النقطة في كتابه التفسيري للكتاب المقدس: "إنه سؤال لا ردّ له. فالجملتان على نفس الدرجة من سهولة النطق، ولكن النطق بإحداهما مع عمل مرافق يتطلب سلطاناً إلهياً. فالشخص المحتال أو المزيف الذي يسعى إلى عدم إنكشاف أمره يجد الجملة الأولى أسهل. لكن يسوع شفى الرجل من مرضه لكي يعلم الموجودين أن له سلطان معالجة سبب المرض." لـهذا إتهم القادة الدينيون يسوع بالتجديف.يقول لويس سبري شيفر بأنه "ليس لأحد على الأرض السلطان أو الحق في مغفرة الخطية. لا يستطيع أن يغفر الخطايا إلاّ الشخص الذي أُرتُكبت هذه الخطايا ضده. عندما منح يسوع الغفران للمفلوج، لم يمارس خياراً متوفراً لدى الناس. فبما أن اللـه وحده هو الذي يغفر الخطايا، فإن يسوع أثبت بشكل قطعي، بغفرانه للخطايا، أنه اللـه."
لقد أزعجني هذا المفهوم لمغفرة الخطايا لمدة طويلة لأنني لـم أفهمه. كنت في يوم ألقي محاضرة فلسفية حين سُئلت سؤالاً حول ألوهية المسيح، فاستشهدت بالآيات السابقة من إنجيل مرقس. ولقد تحدّى أحدهم استنتاجي بأن مغفرة المسيح للخطايا تثبت ألوهيته. قال انه بإمكانه أن يغفر لشخص ما دون أن يثبت ذلك أنه اللـه. 
عندما فكرت بما قاله ذلك التلميذ، عرفت السبب الذي أثار في القادة الدينيين ردود فعل قوية ضد المسيح. أجل. بإمكان المرء أن يقول: "أسامحك،" لكن لا يحق لأحد أن يسامح إلاّ الشخص الذي ارتكبت الإساءة أو الخطية ضده. لقد أخطأ المفلوج ضد اللـه الآب وضد يسوع الذي قال بسلطانه الخاص "مغفورة لك خطاياك." أجل، إننا نستطيع أن نغفر الإساءات الموجهة إلينا، لكننا لا نستطيع بأي حال من الأحوال أن نغفر الخطايا الموجهة إلى اللـه، فله وحده أن يغفرها. وهذا ما فعله يسوع.
فلا عجب إذاً أن يُبدي اليهود ردّ فعل قوي عندما يصرّح نجّار من الناصرة بمثل هذا التصريح الجريء. إن قدرة يسوع على مغفرة الخطايا مثال مذهل لممارسته خياراً يخص اللـه وحده. 
لدينا أيضاً حادثة محاكمة يسوع في إنجيل مرقس (60:14-64). تشير وقائع المحاكمة بكل وضوح إلى مزاعم يسوع بالألوهية. "فقام رئيس الكهنة في الوسط وسأل يسوع قائلاً: أما تجيب بشيء؟ ماذا يشهد به هؤلاء عليك؟ أمّا هو فكان ساكتاً ولـم يجب بشيء. فسأله رئيس الكهنة أيضاً وقال له: أأنت المسيح إبن المبارك؟ فقال يسوع أنا هو. وسوف تبصرون إبن الإنسان جالساً عن يمين القوة وآتياً في سحاب السماء. فمزّق رئيس الكهنة ثيابه وقال: ما حاجتنا بعد إلى شهود؟ قد سمعتم التجاديف. ما رأيكم؟ فالجميع حكموا عليه أنه مستوجب الموت."
رفض يسوع في البداية أن يجيب، فوضعه رئيس الكهنة تحت القسم. ولـهذا اضطر يسوع أن يجيب (وأنا سعيد أنه فعل ذلك). فعندما سُئل: "أأنت المسيح ابن المبارك". أجاب: "أنا هو". إن تحليلاً لما قاله يسوع يُظهر أنه قال بأنه 1) ابن المبارك (اللـه)، 2) والشخص الذي يجلس عن يمين القوة، 3) وابن الإنسان الذي سيأتي على سحاب السماء. 

إن كلاً من هذه التأكيدات الثلاثة إشارة واضحة إلى كونه المسيّا المنتظر. وإجتماعها كلها معاً ذو دلالة كبيرة. لقد فهم أعضاء المحكمة اليهودية، السنهدريم، هذه الأمور الثلاثة، فقام رئيسهم بتمزيق ثيابه قائلاً "ما حاجتنا بعد إلى شهود؟" فقد سمعوا مزاعمه منه شخصياً. فقد أدانته كلمات فمه.
يوضح روبرت أندرسون قائلاً: "لا يوجد برهان تثبيتي أكثر توكيداً وإقناعاً من برهان يقدمه شهود معادون. لقد ثبتت حقيقة إدعاء الرب بالألوهية بما قام به أعداؤه. علينا أن نتذكر أن اليهود لـم يكونوا قبيلة من المتوحشين الجهلة، لكنهم كانوا شعباً مثقفاً على درجة كبيرة من التديّن. ولقد تم إصدار حكم الموت عليه بالإجماع بناء على إدانته على هذه التهمة. لـم يمتنع أحد عن التصويت في هذا المجلس الوطني الهام المؤلف من أبرز القادة اليهود بمن فيهم أشخاص من نوعية غمالائيل وتلميذه العظيم شاول الطرسوسي."
من الواضح إذاً أن هذه هي الشهادة التي أراد يسوع أن يقدمها عن نفسه. ونحن نرى أيضاً بأن اليهود فهموا من جوابه إدعاءه بكونه اللـه. كانوا أمام خيارين، فإما أن تكون تصريحاته وتأكيداته تجديفاً، وإمّا أن يكون اللـه. كانت المسألة في غاية الوضوح أمام قضاته حتى أنهم صلبوه ثـم سخروا منه لأنه "قد إتكل على اللـه.. لأنه قال أنا إبن اللـه" (متى 43:27).
يشرح لنا هـ. ب. سويتي دلالة تمزيق رئيس الكهنة لثيابه بقوله: "لقد حرّم الناموس على رئيس الكهنة أن يمزق ثيابه بسبب المشاكل الشخصية (لاويين 6:10، 10:21)، لكن كانت الأعراف والعادات تملي عليه أن يعبر بهذه الطريقة عن إستهجانه الشديد لأي تجديف يعبّر عنه في حضوره. ولقد أدى هذا في نفس الوقت إلى إرتياح القاضي الذي كان في وضع حرج. فلو لـم يتم تقديم برهان ملموس ضده لأصبح من الضروري إبطال التهمة. لكن السجين المتهم هنا جرّم نفسه."
وهكذا فإننا نرى أن هذه المحاكمة غير عادية كما يقول المحامي إيروين لنتون: "فهذه المحاكمة فريدة بين محاكمات المجرمين، حيث إن القضية المطروحة ليست أعمال المتهم وإنما هويته. إن التهمة الموجهة للمسيح واعترافه بها أو شهادته ومثوله أمام المحكمة، وتحقيقات الحاكم الروماني معه، والكتابات أو النقوش على صليبه، تتعلق كلها بمسألة هوية المسيح الحقيقية وكرامته. ماذا تظنون في المسيح؟ إبن من هو؟"
يقول القاضي المشهور جينور في معالجته لموضوع محاكمة يسوع بأن التهمة الوحيدة الموجّهة له أمام السنهدريم هي التجديف. يقول: "من الواضح من روايات الأناجيل الأربعة بأن التهمة المزعومة التي حوكم يسوع بسببها وأدين بها هي التجديف. فقد كان يدعي بأن لديه قوة غير طبيعية، الأمر الذي يعتبر تجديفاً بالنسبة لإنسان" (يوحنا 33:10). (هذه إشارة جينور إلى أن يسوع "جعل نفسه اللـه"، وليس لما قاله عن الهيكل). يحاكم الناس في معظم المحاكمات على ما فعلوه، ولكن هذا الأمر لـم ينطبق على محاكمة المسيح. فلقد حوكم يسوع بسبب هويته.
يجب أن تكون محاكمة يسوع دليلاً كافياً مقنعاً على أنه اعترف بألوهيته. فقضاته يشهدون بذلك. ولقد أقر أعداؤه حتى في يوم صلبه أنه زعم أنه اللـه الذي جاء في الجسد. وكذلك رؤساء الكهنة أيضاً وهم يستهزئون به مع الكتبة والشيوخ حيث قالوا: "خلّص آخرين وأمّا نفسه فما يقدر أن يخلّصها. إن كان هو ملك إسرائيل فلينزل الآن عن الصليب فنؤمن به. قد اتكل على اللـه، فلينقذه الآن إن أراده، لأنه قال أنا ابن اللـه" (متى 41:27-43).

الفصل التالي

عودة إلى أعلى الصفحة

الفصل السابق